أخبارمجتمع

مبادرة غير مسبوقة .. عائلة مغربية تعيد بناء روابطها عبر التكريم

ســلا – منصف الادريسي الخمليشي

احتضن مطعم الفنانين بالعاصمة الرباط، مساء الأحد 05 أبريل 2026، حفلا تكريميا مميزا، غير أن المفاجأة لم تكن في تكريم فنان أو شخصية مشهورة، بل في الفكرة ذاتها التي يؤسس لها السيد عبد الرفيع الإدريسي الخمليشي؛ فكرة متفردة واستثنائية تروم إعادة الاشتغال على أواصر المحبة، وربط الأجيال، وإحياء مفهوم العائلة في أبهى تجلياته

لقد كان هذا اللقاء لحظة عرفان ووفاء للسيدة سكينة، ضمن عائلة تمتد جذورها لقرون، حيث اجتمع في هذا الفضاء أكثر من مئة وعشرين فردا، من مختلف الأجيال، في مشهد إنساني نادر في زمن التباعد، هناك من ولد في أربعينات القرن الماضي، وآخرون في الستينات والثمانينات والألفينات، بل وحتى من أبناء زمن التحولات الكبرى والصراعات الدولية والأوبئة

فمن كان يتصور أن يجتمع كل هؤلاء تحت سقف واحد، رغم ضيق المكان .. لكن، بسعة القلوب، حيث تعالت الضحكات، وتجلّت لحظات انتشاء عاطفي أسري صادق، وتبادل الحضور الهدايا في جو يفيض دفئا

في هذا السياق، يُطرح سؤال ذو بعد جمالي عميق: ما الغاية من تكريم فرد داخل العائلة ..؟

ولماذا استعمال مصطلح “تكريم” بدل “لقاء عائلي” أو “صدقة” أو غيرها من التسميات ..؟

هنا نستحضر البعد الجمالي كما صاغه ألكسندر بومغارتن، حيث اعتبر أن الجمال هو “كمال يُدرك بالحس”، ويمكننا أن نضيف: إن العائلة كمال يُعاش بالقلبـ، كما يؤكد أرسطو أن “الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وأجمل تجليات اجتماعه تكون في العائلة

هذا البعد الجمالي يدفعنا إلى إعادة التفكير في قيمة الروابط الأسرية، خاصة في زمن اختلت فيه الموازين، وأصبحت العلاقات تُختزل في “الريلز” و”الستوريات” الباذخة، التي تُظهر السطح وتُخفي العمق

أما من الناحية السوسيولوجية، فإن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن في الفكرة فقط، بل في الفعل ذاته .. وهنا يحضر قول بيير بورديو:

“العائلة تُعيد إنتاج البُنى الاجتماعية عبر الأجيال.”

وهو ما تجسد فعلياً في هذا اللقاء، حيث تم ربط الماضي بالحاضر، واستحضار الامتداد الإنساني للعائلة ككيان حي لا ينقطع

ومن زاوية علم النفس، يمكن قراءة هذا الحدث كحاجة إنسانية عميقة، حيث يوضح سيغموند فرويد أن “العائلة هي المدرسة الأولى للمشاعر .. وبالتالي، فإن مثل هذه اللقاءات لا تُعد لحظات عابرة، بل هي إعادة شحن وجداني، واسترجاع للدفء النفسي الذي يفتقده الإنسان في زحمة الحياة

لقد كانت لحظة غير عادية، اختُتمت بإكرام الضيف وفق تقاليد العائلات المغربية الأصيلة، وبحس دعابة جميل، وكلمات نابعة من القلب، كما تم عرض شريط فيديو شكّل إعلاناً ودعوة لتكريم السيد مصطفى الإدريسي الخمليشي، أحد المناضلين الذين تعتز بهم هذه العائلة الكبيرة

ورغم رحيل عدد من أفرادها، مثل عرفة، عبد اللطيف، عبد المجيد، سناء، حفصة، وللا زينب، إلا أن حضورهم ظل قائماً في الذاكرة الجماعية، وفي الخلف الذي لا ينقطع، مما يعكس استمرارية العائلة كقيمة تتجاوز الزمن

وفي هذا السياق، يحضر البعد الديني بقوة، حيث يقول الله تعالى في سورة النساء:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾

وفي سورة الرعد:

﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾

كما قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم:

“لا يدخل الجنة قاطع رحم.” (رواه مسلم)

 

إن هذه المبادرة تفتح باب التساؤل: أين باقي العائلات المغربية من تقوية أواصر صلة الرحم ..؟

وما الذي جعل هذه القيمة تتراجع في ظل تسارع الحياة والعولمة ..؟

ولماذا هذا الابتعاد عن سنة نبوية أصيلة تشكل جوهر التماسك الاجتماعي ..؟

إنها دعوة صادقة لكل مكونات المجتمع المغربي، بمختلف أصوله وأعراقه، إلى إعادة بناء مفهوم صلة الرحم، ليس كعادة تقليدية، بل كمشروع إنساني متجدد .. فالأمر لا يتعلق ببذخ العائلات الكبيرة، بل بتقديم نموذج يُحتذى به، خاصة في زمن أصبحت فيه مثل هذه التجمعات مادة للسخرية في وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال عبارات مثل “ولات تبان بحال عائلة الصقلي والمدني”، التي وإن بدت ساخرة، فإنها تخفي في عمقها حقيقة اجتماعية مؤلمة

المغرب، بما يمتاز به من تنوع ثقافي، وامتداد عائلي، وخصوصية اجتماعية، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إحياء هذه الروابط، ليس فقط كحنين إلى الماضي، بل كضرورة لبناء مستقبل أكثر تماسكاً وإنسانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق