أحزاب و نقاباتأخبارالسياسة

حين يتحول الأمين العام للحزب إلى راقص حملاتي ..!

قبل الصندوق، الأمناء العامون يرقصون والمواطن يسأل أين البرنامج ..؟


في مشهد لم يعد غريبا على الخريطة السياسية المغربية، يتحول الأمين العام للحزب، أو المسؤول الجهوي، أو المرشح المرتقب، من خطيب برامج إلى مؤدّي وصلات
فلا منابر ترفع، ولا وثائق توزع، ولا لجان تقنية تعقد، بل خيام منصوبة، وطبول دافة، ووصلات رقص استعراضية تفتتح بها “الزيارات الميدانية” التي يفترض أنها حملات انتخابية مبكرة
ظاهرة تستحق الوقوف عندها، ليس استغرابا فحسب، بل سؤالا جوهريا: ماذا حدث للخطاب السياسي حتى صار الإيقاع أبلغ من البرنامج ..؟
تتوالى المشاهد في عدد من المناطق، خصوصا في العالم القروي وشبه الحضري، وصول موكب الأمين العام، استقبال حاشد بزي موحد، ترحيب على إيقاع الدفوف، ثم وصلة رقص استعراضية يشارك فيها في كثير من الأحيان المسؤول نفسه، أو يكتفي بالتصفيق والتلويح من المنصة
وبعد أن تنتهي الوصلة، تختتم الزيارة بتوزيع هدايا، أو وعد عابر، قبل أن يغادر الموكب كما جاء صخبا واستعراضا، من دون ورقة برنامج واحدة، اللهم إلا السب والشتم في الخصوم السياسيين .. هذا المشهد، الذي قد يبدو للوهلة الأولى “تقربا” من الناخب و “كسرا للحواجز”، هو في حقيقته إفراغ ممنهج للمضمون
يعلق الكثير من الظرفاء: “الرقص ليس ترفيها بريئا، بل غطاء يستتر به فراغ البرامج، وغياب الرؤية، وعجز عن الإجابة على أسئلة المواطنين الأساسية .. الشغل، الصحة، التعليم، النقل، السكن، الماء، الكهرباء … إلخ
السؤال المشروع: لماذا تفضل الوصلة على الورقة البرنامجية ..؟ الجواب، حسب رأينا المتواضع في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، متعدد الأوجه:
أولا- سهولة الاستعراض مقابل صعوبة البرنامج، لأن كتابة برنامج انتخابي متكامل تتطلب لجانا تقنية، ودراسات ميدانية، وتقديرات ميزانياتية، ورؤية استراتيجية .. أما الوصلة الراقصة فتتطلب فرقة، ومكبر صوت، وموكبا لامعا .. الأولى جهد وعرق، والثانية استعراض وصوت عال، وفي زمن “السياسة الخفيفة”، يختار كثيرون الأسهل
ثانيا- الإعلام المرئي والصورة الجاهزة في عصر “تيك توك والريلز”، الصورة أبلغ من النص .. وصلة رقص مدتها ثلاث دقائق تنتج عشرات المقاطع الجاهزة للنشر، تحقق آلاف المشاهدات، وتختزل فيها “الزيارة الميدانية” كلها .. أما البرنامج الانتخابي المكون من مئة صفحة، فمن يقرأه ..؟ ومن يشاركه .. ؟
ثالثا- ثقافة الحضور بدل ثقافة المضمون في بيئة سياسية لا تزال تقيم الحضور بالأعداد لا بالأفكار، يصبح “إنجاح” الزيارة مرهونا بحشد الناس، لا بإقناعهم، والرقص أداة حشد بامتياز يجمع، ويفرح، ويشغل، ويلهي، وبعد أن ينتهي الإيقاع، يعود الجميع إلى بيوتهم، من دون سؤال واحد عن البرنامج
الخسارة أكبر من مشهد عابر حين يتحول الأمين العام إلى مؤدي وصلة، يخسر ثلاثة أشياء:
– مصداقية الحزب، بحيث أن من لا يملك برنامجا يقدمه، ولا رؤية يعرضها، ولا أرقاما يدافع عنها، يفقد حقه في الادعاء بأنه “مشروع حكم”، ويصبح مجرد آلة انتخابية هدفها الكرسي لا الخدمة
– احترام الناخب لأنه ليس جمهورا يستعرض أمامه، هو مواطن له أسئلة، وله انتظارات، وله حق في معرفة ما سيقدم له إن فاز الحزب  واختزاله في متفرج على وصلة رقص هو إهانة لذكائه
– بالمناسبة، الديمقراطية لا تبنى بالاستعراضات، بل بالبرامج، وبالرقابة، وبالمساءلة، وحين تتحول الحملات إلى مهرجانات، يصبح الفوز من نصيب من يملك الموكب الأضخم، لا البرنامج الأمتن
للتوضيح فقط، لا أحد يقول إن الرقص حرام في ذاته، فالثقافة الشعبية المغربية غنية بالموسيقى والرقص، وهما جزء من نسيجنا الاجتماعي، المشكلة ليست في الرقص، بل في تحويله إلى بديل عن السياسة .. على العموم، لا أحد يمنع أن تفتتح زيارة بأنشودة، أو أن تختتم بسهرة فنية .. لكن، الخطأ الفادح هو أن تكون الوصلة هي الزيارة كلها، وأن يستغنى بها عن البرنامج، وعن النقاش، وعن الإجابة
الأجدر بالأمين العام بدل الوصلة الراقصة أن يواجه الناس وجها لوجه
أن ينظم لقاء مفتوحا ينصت فيه لهمومهم قبل أن يطلق الوعود
أن يوزع عليهم وثيقة برنامجية مبسطة، بلغة مفهومة وأرقام واقعية لا شعارات فضفاضة
أن يشكل لجانا محلية تتابع التزاماته ويعلن عن آليات واضحة لمساءلته
وأن يوجه جزءا من ميزانية حملته لأنشطة تنموية ملموسة .. قافلة طبية، دعم مدرسي، ورشات للتكوين المهني، ذلك أصدق من ألف رقصة، وأنفع من ألف تصفيق .. هذه البدائل ليست مثالية، لكنها أجدى من وصلة تنتهي بانتهاء الإيقاع
أيها السادة الأمناء العامون، السياسة ليست مسرحا، والناخب ليس متفرجا، والكرسي ليس جائزة تربح بأجمل وصلة .. الرقص قد يجمع الحشود، لكن البرنامج وحده هو من يبني الثقة .. فإن أردتم حقا كسب الناخب، فكفوا عن الوصلات، وقدموا له برامج .. الكرسي لا يربح بالإيقاع، بل بالأفكار، والشعب لا يقنع بالدفوف، بل بالإنجازات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق