
قال الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام: «إن تحقيق أعظم سعادة لأكبر عدد من الناس هو أساس الأخلاق والتشريع»
بهذه العبارة، التي اختصر بها فلسفة كاملة، يمكننا أن نقرأ ليس تاريخ التشريعات الحديثة فحسب، بل أيضا مستقبل الحكومة المغربية المقبلة .. فمبدأ «المنفعة الأعظم» عنده ليس معادلة حسابية باردة، بل تعاقد أخلاقي: لا شرعية لأي قانون، ولا أخلاقية لأي سياسة، إذا لم تكن نتيجتها المباشرة تقليل الألم وزيادة السعادة لدى أوسع قاعدة من الناس .. التشريع عنده ليس نصا، بل أثرا؛ والأخلاق ليست شعارا، بل منفعة ملموسة
واليوم، والمغرب على أعتاب تشكيل حكومة جديدة برئاسة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري بعد انتخابات 23 شتنبر، وبعد الخطاب الملكي التاريخي الصادر في 9 أكتوبر 2026، فإننا أمام اختبار بنثامي بامتياز .. لقد رسم جلالة الملك في خطاب افتتاح البرلمان خارطة طريق للدولة الاجتماعية الصاعدة .. الأمن المائي والغذائي والطاقي، الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، التفعيل الحقيقي لميثاق اللامركزية، الجهوية المتقدمة، وإصلاح منظومة الهجرة بمنطق السيادة لا الابتزاز
هذه المحاور ليست ملفات تقنية فحسب؛ إنها في العمق أسئلة بنثامية:
كيف نجعل الماء سعادة لأكبر عدد ..؟
كيف نجعل الطاقة سعادة لأكبر عدد ..؟
كيف نجعل الذكاء الاصطناعي سعادة لأكبر عدد ..؟
وستكون الحكومة المقبلة أمام مفترق طريقين
الطريق الأول هو طريق الحكومات السابقة .. حكومات الأرقام الاقتصادية الكبرى التي تتفاخر بنسب النمو، وتوازن الميزانية، وجلب الاستثمارات، بينما المواطن في الهامش لا يشعر بأثرها .. هذا نموذج يحقق سعادة كبيرة لعدد قليل، وهو عكس ما نادى به بنثام، وعكس ما عبر عنه جلالة الملك حين وصف الانتداب بأنه «تعاقد أخلاقي»
أما الطريق الثاني، فهو طريق المنفعة الأعظم .. حكومة تقاس بمعيار بنثام
هل قانون المالية الذي ستعده الحكومة الجديدة سيحقق أعظم سعادة لأكبر عدد، أم أعظم ربح لأكبر مقاولة ..؟
هل ستسقي استراتيجيتها للماء الفلاح الصغير في سوس والشرق قبل مسابح الفنادق ..؟
وهل ستخلق استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي فرص شغل لآلاف الشباب العاطلين، أم ستبقى مؤتمرات تعقد في الرباط والدار البيضاء ..؟
إن مبدأ بنثام يفرض على الحكومة المقبلة ثلاثة التزامات أخلاقية قبل أن تكون سياسية:
أولا- التشريع للجميع لا للوبيات، لم يعد مقبولا أن تصاغ القوانين على مقاس «أصحاب الشكارة» الذين تسللوا إلى البرلمان .. فقانون المنافسة، وقانون الاستثمار، وقانون الإضراب، يجب أن تجتاز جميعها اختبار بنثام: هل ستسعد الأغلبية أم ستحمي الأقلية ..؟
ثانيا- اللامركزية سعادة مكانية، حين دعا الملك إلى نقل السلطات والموارد إلى الجهات، كان يطبق بنثام جغرافيا .. فلا يمكن أن تتركز السعادة في محور الرباط والدار البيضاء، بينما يبقى باقي المغرب متفرجا .. إن الحكومة التي تحتفظ بكل شيء في المركز هي حكومة ضد فلسفة اللامركزية، وضد منطق العدالة الترابية
ثالثا- السيادة منفعة جماعية في ملف الهجرة، قال الملك بوضوح إن الشراكة اختيار سيادي وليست محل ابتزاز .. وهذه هي قمة الفلسفة النفعية للدولة: أن ترفض أن تكون حارسا لأوروبا مقابل فتات المساعدات، وأن تحول الملف إلى مشروع تنموي إفريقي مشترك، هو أن تحقق الكرامة والسعادة للشعب أولا، بدل أن تبيع أمنه الحدودي
ولهذا، ترى النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، وهي تراقب المشهد عن قرب، أن انتظارات المغاربة من الحكومة المقبلة ليست حزبية، بل فلسفية .. فنحن لا ننتظر حكومة بوزراء يبتسمون أمام الكاميرات، بل حكومة تجيب كل صباح عن سؤال بنثام: ماذا فعلنا اليوم ليكون أكبر عدد من المغاربة أكثر سعادة وأقل ألما ..؟
وإذا فهمت الحكومة المقبلة أن الماء ليس مجرد سد، بل سعادة فلاح؛ وأن الدواء ليس مجرد صفقة، بل سعادة مريض؛ وأن المدرسة ليست مجرد بناية، بل سعادة أسرة كاملة؛ تكون قد نجحت .. أما إذا بقيت حبيسة منطق «التركيز» بدل «اللامركزية»، ومنطق الربح بدل المنفعة، فإنها ستكون حكومة تحقق سعادة أقلية وتزرع تعاسة أغلبية
وفي النهاية، لن نحكم على الحكومة المقبلة بعدد وزرائها، ولا بجودة صورهم في المؤتمرات الصحفية، ولا بحماس خطبهم في قاعات مكيّفة، بل سيحكم عليها بمعيار واحد بسيط وقاس
هل شرب الفلاح قبل الفندق ..؟
وهل عولج المريض قبل أن تحسب أرباح الصيدلية ..؟
وهل وجد الشاب فرصة عمل قبل أن يجد المسؤول منصبا في لجنة جديدة ..؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فستكون حكومة تستحق الثقة؛ أما إذا كانت الإجابة لا، فلا تدعوها حكومة للجميع، مهما بلغ عدد الأعلام التي رفعت، ولا عدد الكاميرات التي أضاءت، ولا عدد التصفيقات التي رافقت توليها .. فالسعادة الحقيقية لا تعلن في البيانات الصحفية، بل تعاش في البيوت، وتقاس في الجيوب، وتقرأ في عيون المغاربة
زر الذهاب إلى الأعلى