
سلوى فتوح ورجاء بلمير .. متى أصبح السجود للـه “عرقلة سير” في بلاد المآذن ..؟

في ظل مجتمع مغربي يشهد تحولات عميقة في نظرته للشعائر الدينية والفضاء العام، أعادت الإعلامية سلوى فتوح إشعال فتيل جدل قديم-جديد: هل للمواطن الحق في التنقل دون “عرقلة”، أم للمصلي الحق في أداء شعيرته حتى لو تطلب ذلك توسيع صفوف الصلاة إلى الشارع ..؟
هذا الجدل، الذي قد يبدو للوهلة الأولى محليا وعابرا، اكتسى بعدا أعمق حين تزامن مع تصريح منسوب للمغنية رجاء بلمير مفاده: “لا أريد السفر مع من يريد الوقوف في الطريق للصلاة” ( أسوأ شيء قد يحدث للشخص أثناء السفر هو مرافقته لمن يطلب التوقف بشكل متكرر في الطريق من أجل الوضوء والصلاة)
التصريحان، وإن اختلف سياقهما، يشتركان في سؤال جوهري: هل أصبحت الشعائر الدينية، في نظر بعض المغاربة، “عائقا” يجب إزالته من الفضاء العام ..؟
في مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع مطلع أكتوبر الجاري، ظهرت الإعلامية سلوى فتوح وهي تشكو من بقائها عالقة داخل سيارتها لقرابة نصف ساعة، بسبب إغلاق المنفذ المؤدي إلى منزلها من طرف مصلين أدوا صلاة الجمعة في الشارع المجاور للمسجد
تصريحات سلوى فتوح كانت واضحة:”الصلاة في الطرقات والشوارع غير مسموح بها”
“من لم يجد مكانا داخل المسجد يمكنه التوجه إلى مسجد آخر”
” لا يجوز التسبب في عرقلة حركة المرور”
” أدعو إلى سن قانون رسمي يمنع الصلاة خارج فضاءات المساجد بمجرد امتلائها”
هذه التصريحات، التي قد تبدو منطقية من منظور حق المواطن في التنقل، أثارت موجة استنكار عارمة على منصات التواصل الاجتماعي .. ردود الفعل: بين الدفاع عن الشعيرة والدعوة للتسامح سرعان ما تحول فيديو سلوى فتوح إلى “انتفاضة” افتراضية، حيث انقسم المغاربة إلى فريقين:
المدافعون عن سلوى فتوح: يرون أن حق المواطن في التنقل لا يجب أن يعطل بحجة الصلاة، ويعتبرون أن الصلاة في الشوارع “فوضى” يجب تنظيمها، ويدعون إلى “توعية” المصلين بعدم عرقلة حركة السير
المستنكرون لتصريحاتها: يذكرون أن صلاة الجمعة شعيرة دينية مقدسة وراسخة في المجتمع المغربي منذ قرون، وينبهون إلى أن لجوء المواطنين للصلاة في الأزقة ليس رغبة في تعطيل السير، وإنما هو ناتج عن الاكتظاظ الشديد وضيق بعض المساجد، ويؤكدون أن معالجة مسألة انسيابية السير لا تتم بمهاجمة الشعائر أو الدعوة لتقييدها، بل بتفهم طبيعة المناسبة الدينية الجامعة، مستدلين بأن الأمر يقع في دول أوروبية نفسها ولا يخلق أي مشكل لدى مواطنيها
وكتب أحد المعلقين: “صلاة الجمعة تستغرق دقائق معدودة في الأسبوع، وتقتضي نوعا من التسامح والصبر والاحترام المتبادل .. فكيف تحولنا من مجتمع متسامح إلى مجتمع ينتقد شعائره ..؟”
تصريح رجاء بلمير: الوجه الآخر لنفس العملة في سياق متصل، أثارت الفنانة رجاء بلمير جدلا مماثلا بتصريح مفاده: “لا أريد السفر مع من يريد الوقوف في الطريق للصلاة” .. الفرق بين التصريحين شكلي، لكن القاسم المشترك واحد: كلاهما ينظر إلى الصلاة على أنها “عرقلة” أو “وقوف في الطريق”، بدلا من اعتبارها حقا دستوريا ودينيا مكفولا للمواطنين
المفارقة الصارخة .. ازدواجية المعايير هذا الجدل لا يأتي من فراغ .. فالمغرب شهد في الأشهر الأخيرة نقاشات مماثلة حول الحق في الصلاة في الفضاء العام .. ففي أبريل 2026، أثارت صلاة يهود مغاربة في باب دكالة بمراكش جدلا واسعا، انقسم فيه الرأي العام بين من اعتبر ذلك “حقا في ممارسة الشعائر” ومن ربطه بـ”التطبيع”، وقد أوضح حينها رئيس الطائفة اليهودية بمراكش أن الصلاة لم تتجاوز 20 دقيقة، ولم تسجل أي احتكاك مع المارة أو تعطيل لحركة السير
المفارقة الصارخة هنا: حين صلى يهود في الفضاء العام، دافع البعض عن “حقهم في ممارسة شعائرهم”، وحين صلى مسلمون في الشارع المجاور للمسجد لعشر دقائق، انتقدت سلوى فتوح ذلك ووصفته بـ”العرقلة”
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل أصبح الحق في الصلاة “انتقائيا” في المغرب ..؟
هل يقبل حين يتعلق بغير المسلمين، ويرفض حين يتعلق بالمسلمين أنفسهم ..؟
في ظل هذا الجدل الواسع، بقيت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية صامتة، رغم أن لها رأيا شرعيا وقانونيا في المسألة .. المواطنون ينتظرون توجيها رسميا يوضح الحقوق والواجبات، بينما يملأ بعض الإعلاميين الفراغ بتصريحات قد تثير الفتنة دون قصد، ليتحول النقاش العقلاني إلى “معركة هويات” مفتعلة بين “متدينين” و”علمانيين”
رأي النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة
وفي هذا السياق، نبهت الأمانة العامة للنقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، في متابعتها لهذا الجدل، إلى أن تحول بعض المنابر والإعلاميين من ناقل للخبر إلى طرف في معركة هوياتية ضد ثوابت المجتمع، هو نتيجة مباشرة لفوضى الحقل الإعلامي، وأكدت النقابة أن حرية التعبير التي يكفلها الدستور، لا تعني حرية استفزاز مشاعر المغاربة والاستهانة بشعائرهم تحت غطاء “الحق في التنقل“، داعية الزميلات والزملاء إلى التحلي بأخلاقيات المهنة وعدم تحويل معاناة يومية بسيطة يمكن حلها بالتسامح، إلى مادة للبوز الرخيص وضرب قيم التسامح التي طبعت المجتمع المغربي لقرون
إذن، كفى نفاقا وازدواجية .. المغاربة يتحملون إغلاق الشوارع لساعات من أجل مهرجان موازين، ويتحملون إغلاق “الكورنيشات” من أجل سباق للدراجات، ويتحملون إغلاق الطرقات من أجل تصوير مسلسل تافه، ويصفقون لذلك ويعتبرونه “انفتاحا وحضارة” .. لكن، حين يتعلق الأمر بسجود عشر دقائق لرب العالمين، تتحول الدقائق إلى “نصف ساعة من الاحتجاز” وتتحول سجادة الصلاة إلى “جريمة عرقلة مرور” يجب أن يتدخل البرلمان لتجريمها بقانون ..!
المشكلة ليست في مصلين لم يجدوا مكانا في مسجد ضيق، المشكلة في نخبة تريد مسجدا بلا مصلين، وشارعا بلا سجود، ومغربا بلا إسلام إلا في بطاقة التعريف .. من تزعجه صلاة الجمعة لدقائق، فليبحث له عن وطن آخر بلا مآذن، لأن هذا الوطن، شاء من شاء وأبى من أبى، سيبقى يصلي في المساجد، وإن امتلأت صلى في الشوارع، وإن منع في الشوارع صلى فوق رؤوس من يريد منعه





