أحزاب و نقاباتأخبارالسياسة

الكرامة والصمت مقابل الضجيج والتسول .. العثماني وبن كيران وجهان لعملة واحدة انقلبت ..!

العثماني عاد لعيادته بكرامته .. وبنكيران يهدد بالتشرد إن طردته زوجته

في المشهد السياسي المغربي، قلّما اجتمع اسمان في جملة واحدة مثلما اجتمع اسما سعد الدين العثماني وعبد الإله بنكيران، لا لتشابه المسار فقط، بل للتباين الصارخ في الخاتمة .. فأحدهما أنهى مهمته كرئيس للحكومة بهدوء، وعاد إلى عيادته الطبية حافظا لكرامته ووقاره، والآخر خرج من التجربة يتسول التعاطف، ويوهم الرأي العام بأنه قد يجد نفسه بلا مأوى إن طردته زوجته من بيتها

هذا التباين ليس تفصيلا عابرا، بل مرآة تعكس عمق الفجوة بين نمطين من القيادة .. نمط يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ونمط يظن أن الضجيج هو البديل عن الإنجاز

سعد الدين العثماني، السياسي والطبيب النفسي، تقلد منصب رئيس الحكومة السادس عشر من مارس 2017 إلى أكتوبر 2021، في فترة استثنائية عرفت أحداث الحسيمة، وجائحة كورونا، وحملات مقاطعة غلاء المعيشة، ورغم كل هذه العواصف، لم يعرف عنه خروج إعلامي صاخب، ولا تصريحات متشنجة، ولا وعيد بإسقاط حكومات لم تولد بعد، بل على العكس، انتهت ولايته بهدوء، وعاد إلى مهنته الأصلية كطبيب نفسي، دون أن يحول نفسه إلى ضحية، أو أن يستبكي الناس بدعوى تعرضه للظلم

هذه الخاتمة الهادئة ليست ضعفا، بل قوة نادرة في زمن يخلط فيه كثيرون بين الشهرة والقيادة، وبين الضجيج والتأثير ..

العثماني علّمنا أن الكرامة السياسية لا تقاس بعدد التصريحات، بل بالقدرة على الانسحاب في الوقت المناسب، دون أن تحول نفسك إلى عبء على الحزب أو على الوطن

في المقابل، يقف عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية والرئيس الأسبق للحكومة، كنموذج مختلف تماما، فبعد خروجه من رئاسة الحكومة، لم يكتف بالنقد الهادئ أو المراجعة الذاتية، بل تحول إلى آلة تصريحات لا تتوقف، تتراوح بين الوعيد بإسقاط الحكومات، والاتهام بـ”الفضائع العظمى”، والاستعداد “للذهاب إلى السجن ثمنا للمواقف”، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل به الأمر إلى أن يصرح بأنه “لا يتوفر حتى على مسكن يأويه إن حدث وطردته زوجته من بيتها”، في محاولة واضحة لاستدرار التعاطف الشعبي، وتحويل نفسه من قائد سياسي سابق إلى ضحية تبحث عن سند

هذه التصريحات، التي وصفتها مواقع إعلامية كثيرة بـ”الخطيرة” و”المثيرة للجدل”، لم تعد تقرأ على أنها شجاعة في قول الحق، بل كعجز عن تقبل الهزيمة، ورغبة في البقاء في الواجهة بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو المصداقية والوقار

الفرق بين العثماني وبنكيران ليس فرقا في الأسماء فقط، بل في الفلسفة السياسية العميقة التي تحكم كل واحد منهما .. لا شك أن النقد السياسي مسؤولية وطنية، وأن المحاسبة على الأداء الحكومي واجب ديمقراطي .. لكن، هناك فارقا جوهريا بين نقد هادئ يستند إلى حقائق، وبين ضجيج إعلامي يهدف إلى البقاء في الواجهة واستدرار التعاطف .. حين يصرح سياسي سابق بأنه قد يجد نفسه بلا مسكن إن طردته زوجته، فإنه لا ينتقد سياسة ولا يحاسب على أداء، بل يحول نفسه إلى حالة إنسانية تستحق الشفقة، وهذا تحول خطير من دور القائد إلى دور الضحية

السياسة ليست مسرحا للاستدرار العاطفي، والقيادة ليست مسابقة فيمن يصرخ بأعلى صوت، والوطن لا يحتاج إلى متسولي تعاطف، بل إلى قادة يعرفون متى يتكلمون، ومتى يصمتون، ومتى ينسحبون بكرامة

في النهاية، العبرة في السياسة ليست بالبدايات الصاخبة، ولا بالشعارات النارية، بل بالخواتيم .. والختام الذي يختاره كل واحد منا هو مرآة لعمق إيمانه بالكرامة .. سعد الدين العثماني اختار الخاتمة الهادئة، فعاد إلى عيادته طبيبا كما كان، حافظا لكرامته، فاحترمه حتى خصومه، وكسب رهان التاريخ الذي سيذكره كرجل دولة تحمل المسؤولية في أصعب الظروف ثم انسحب بشرف

أما عبد الإله بنكيران، فقد اختار الخاتمة الصاخبة، فخرج من الباب الضيق للسياسة، يلوح بالسجن ويستجدي المسكن، فخسر حتى بعض أنصاره الذين كانوا يرون فيه زعيما لا يهزم .. والدرس واضح وصريح: في السياسة كما في الحياة، الكرامة أغلى من كل مقعد، والصمت الكريم أبلغ من كل ضجيج، ومن لا يعرف كيف يخرج من السلطة بوقار، لن يعرف أبدا كيف يدخل التاريخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق