
النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة: نهاية هيمنة الإعلام التقليدي وصعود صوت المغاربة

يبدو أن معالم احتضار الصحافة والإعلام التقليدين قد بدأت تظهر بوضوح، من خلال تراجع إشعاعه وتسويقه ومتابعته. فقد بخرت التحولات التقنية السريعة كل وسائل مقاومته، رغم تدخل الأطراف المتحكمة في الدول والشركات والأحزاب لدعمه، حتى يظل قادراً على ممارسة وظائفه الدعائية الطبقية المأجورة .. ومع ذلك، أصبح هذا الإعلام عاجزا حتى على المستوى الدولي عن صيانة وجوده وجودته أمام الأطراف “المافيوزية” الرأسمالية المتحكمة في النظام الاقتصادي العالمي
إنه الإعلام الشعبي الذي تؤمنه القرية العالمية الافتراضية المتحررة من نفوذ الشركات العالمية المتعددة الجنسيات، بفضل توريثها التقنية السريعة والشمولية .. هذه التقنية وصلت مفعولها إلى أدق تفاصيل الوجود الإنساني، مما جعل المنتوج الصحفي والإعلامي التقليدي مطالبا بالانخراط في عملية التحول للحفاظ على استمراريته، سواء في الشكل الورقي أو الإذاعي أو المرئي .. فعلا، أصبحت مناهج العمل التي يتبناها بحاجة ماسة إلى التحديث والتطوير للبقاء في السوق الاستهلاكية .. هذا، ما تعيشه الصحافة والإعلام في الدول التي انخرطت مبكرا في الثورة الرقمية، لتمكين منتوجها من التطور الملائم لتحولات مجتمعاتها الاقتصادية والسياسية والثقافية
بفعل العولمة وانهيار الحدود في الثورة الرقمية، أصبحت جميع الدول معنية بالتغيير في نمطها الصحفي والإعلامي، كما يحدث الآن في كل القارات .. إن التقنيات الجديدة، التي أصبح عليها الرهان في عملية التحول، جعلت الإعلام الجديد عابرا لكل خطوط التحرر، ومتمردا على جميع الإكراهات والضغوط .. أجل، فتحت هذه التقنيات المجال لتجسيد وجود الإعلام البديل وتداوله والانخراط فيه، بعيدا عن قيود الصحافة والإعلام التقليديين، بحيث أصبح للمواطن العادي الحق في المشاركة بلا قيود أو ضغوط أو إكراهات في عملية الإنتاج الصحفي والإعلامي، وبدون تأهيل مهني أو معرفة مسبقة بالتقنيات الجديدة
نحن في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة نشهد اليوم ما تحدثه قنوات التواصل الاجتماعي الجديدة، التي أصبح بإمكان مستعمليها -عبر القصاصات البريدية القصيرة والصور الرقمية والفيديوهات المصورة والمدونات- القضاء على هيمنة المنتوج الصحفي والإعلامي التقليدي، كما أتاحت هذه الثورة الرقمية للمواطنين حتى غير المؤهلين مهنيا الانخراط في المجال الصحفي والإعلامي، مما جعلهم أكثر قدرة وقوة على تفجير المسكوت عنه في الإعلام التقليدي بكل وسائطه
من الصعب اليوم إخفاء الحقائق أو تبرير الأخطاء أمام هذا الحضور القوي للإعلام الجديد، حيث أصبح بالإمكان التعبير والتصوير والتحليل بأكبر نضج، وبدون الخضوع للقوانين والأخلاقيات المعمول بها في نمط الإنتاج التقليدي .. هذا النمط، انهار في السوق وتراجع إشعاعه في الحفاظ على مستهلكيه، سواء في الدول المتقدمة أو النامية .. وإن ما عاشه المغاربة مع حملة المقاطعة السابقة للمنتجات الاستهلاكية ذات الأسعار غير الملائمة، وفي العديد من الملفات الأخرى، يمثل نماذج لهذا الإعلام الجديد الذي سيكون البديل عن التقليدي، مهما بلغت المقاومة والرفض حاليا
نظن أن الخلاصات التي عبرنا عنها في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، خلال متابعة صياغة الكثير من القوانين التي لم تتجاهل الآثار المحتملة لهذه الثورة الرقمية العالمية على واقعنا الإعلامي والصحفي، والتي كان من الواجب مراعاتها في عقلنة وتقنين المشهد الصحفي والإعلامي الوطني، الذي يراد له أن يظل حبيسا لرؤيا ومصالح المتحكمين في الثروة والسلطة بمجتمعنا، الذين يخافون اليوم من مجابهة ردود فعل المغاربة على ما قاموا به لفرملة تطور الوطن وتحرره ودمقرطته، كما نلمسه في توجيهات جلالة الملك محمد السادس حفظه اللـه، الذي يريد أن يجعل من الصحافة والإعلام قاطرة لتكريس ونشر قيم المجتمع الديمقراطي الحداثي، وتفعيل أدوار تنموية وتنويرية وإخبارية حقيقية لها في الوطن
لن نغلق الحوار حول هذا الموضوع، الذي يظل أحد أهم الأوراش التي يجب أن تفتح للنقاش والحوار المنتج والمسؤول ضمن الأوراش الملكية الكبرى .. ذلك، لإغناء ممارسة المغاربة للمهام الملقاة عليهم في مجال الصحافة والإعلام، حتى يكون هذا الإعلام الجديد -بكل وسائطه وأجناسه ومناهجه- قادرا على القيام بوظائفه الإخبارية والنقدية والتنويرية التي يتطلع إليها عموم المغاربة، وسنكون في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة سعداء لفتح نقاش مجتمعي حقيقي حول جميع الإشكاليات والقضايا المطروحة على مشهدنا الصحفي والإعلامي الوطني




