أخبارالثقافة و الفن

قتل رمزي لمبدعة شابة: ما بين المنع و محاولة التقييد ..!

منصف الادريسي الخمليشي

تنظم وزارة الشباب والثقافة والتواصل الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، في أجواء ثقافية مميزة تعرف مشاركة واسعة لعدد كبير من دور النشر والكتاب والباحثين من مختلف المجالات. ويعد هذا الحدث مناسبة سنوية بارزة تلتقي فيها الأفكار وتتقاطع فيها التجارب، حيث يتحول المعرض إلى فضاء حي للنقاش والإبداع وتبادل الرؤى

ومن بين الأسماء التي برزت في هذه الدورة، الكاتبة والباحثة سهيلة أيت لحسن، التي حضرت ضمن دار الشامل الممثلة لدولة فلسطين الشقيقة، بكتاب يعد ثمرة مجهود بحثي أكاديمي أنجز في إطار تكوين ماستر التربية الجمالية والتدبير الثقافي. ويحمل هذا العمل عنوان جمالية الماء، المجسمات البيداغوجية، ودورها التربوي والجمالي في تشكيل ثقافة الماء، بكلية علوم التربية، جامعة محمد الخامس بالرباط

لا يقتصر هذا الكتاب على تناول الماء باعتباره مادة طبيعية فحسب، بل يتجاوزه ليقدمه كعنصر جمالي وثقافي قادر على حمل دلالات تربوية عميقة، خاصة لدى فئة التلاميذ. فالماء هنا يتحول من مجرد عنصر حيوي إلى مدخل لإعادة التفكير في علاقتنا بالجمال، وبالبيئة، وبالفن أيضا

إن الاشتغال على هذه التيمة يكشف عن وعي الباحثة بأهمية إدماج القيم الجمالية في العملية التعليمية، بما يسهم في بناء ذوق فني وحس إنساني لدى الناشئة، ولا يمكن اعتبار هذا المنجز مجرد عمل أكاديمي عابر، بل إن تفاصيله، بما فيها اختيار دار النشر وانتماؤها، تفتح أفقا رمزيا لقراءة أعمق. فثلاثية الماء وفلسطين والمغرب تحفز على طرح أسئلة تتعلق بالانتماء والهوية، وبالرغبة في تجاوز الحدود الجغرافية نحو وحدة إنسانية وثقافية أرحب، حيث يصبح الإبداع جسرا للتواصل بدل أن يكون مجالا للانقسام

كما يثير هذا العمل تساؤلات جوهرية حول مكانة الفن داخل المنظومة التعليمية، وحول ضرورة جعله جزءا أساسيا في تكوين التلميذ. وإذا عدنا إلى المرجعيات الفكرية والروحية، نجد أن الماء لطالما شكل مصدرا للإلهام، فقد ورد في القرآن الكريم وجعلنا من الماء كل شيء حي، كما اعتبره غاستون باشلار مادة للأحلام تدعو إلى الغوص في أعماق النفس، بينما وصفه ليوناردو دافنشي بالقوة الدافعة لكل الطبيعة. من هنا، يمكن القول إن الماء ليس مجرد مادة، بل كيان رمزي يعيد تشكيل وعينا بالعالم، تماما كما يفعل الفن حين يعيد ترتيب إدراكنا للأشياء

غير أن مسار الباحثة لم يخل من عراقيل، خاصة بعد الجدل الذي رافق مشاركتها في المعرض، وما تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فقد قامت بتوقيع كتابها في اليوم الثاني من التظاهرة الثقافية، في تجربة أولى لاقت نجاحا ملحوظا، وهو ما فتح أمامها فرصة لتوقيع ثان بدعوة من إحدى دور النشر. إلا أن هذه الدعوة ألغيت بشكل مفاجئ بعد حذف المنشور الخاص بها، في لحظة يمكن وصفها بالدقيقة التسعين، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام

ما الذي يدفع مؤسسة ثقافية إلى التراجع عن استضافة كاتبة شابة بعد دعوتها ..؟

وهل يمكن للاختلافات الإيديولوجية أن تتحول إلى مبرر لإقصاء صوت إبداعي في بداية مساره ..؟

ثم كيف يمكن الحديث عن دعم الإبداع في الوقت الذي توضع فيه العراقيل أمام المبدعين ..؟

إن مثل هذه الممارسات تفتح نقاشا واسعا حول حدود حرية التعبير داخل الفضاءات الثقافية، وحول الدور الحقيقي الذي يفترض أن تضطلع به دور النشر باعتبارها حاضنة للفكر لا رقيبا عليه

ورغم هذه التحديات، فإن سهيلة أيت لحسن تواصل مسارها البحثي، حيث تشتغل حاليا على مشروع جديد يهم استثمار الفن في تعديل سلوك التلاميذ، وهو توجه يعكس وعيا متقدما بأهمية الربط بين الإبداع والتربية، وبين الجمال وبناء الإنسان

في النهاية، يظل المعرض الدولي للنشر والكتاب فضاء يفترض أن يحتضن جميع الأصوات، على اختلاف توجهاتها الفكرية والثقافية والدينية، لا أن يتحول إلى مجال للإقصاء أو تقييد الآراء. فالقلم لا يكتب فقط ليعبر عن الفرح، بل أيضا لينقل الألم، وليطرح الأسئلة، وليفتح آفاق التفكير. وإذا فقد هذا الفضاء روحه المنفتحة، فما الذي يتبقى من معنى الثقافة ..؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق