
نداء النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة لإنقاذ المهنة
النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة تحذر: فوضى المنابر تقتل الضمير وتهدد استقرار الوطن

في زمن صار فيه امتلاك هاتف ذكي والوصول إلى الإنترنت + ميكروفونات” بونجات” كافيين لإطلاق “منبر إعلامي”، لشهدت الساحة الإعلامية انفجارا غير مسبوق في عدد المنصات والقنوات والمواقع .. نظريا، كان يفترض أن يؤدي هذا التكاثر إلى تعددية حقيقية، وإثراء النقاش العام، وتمكين المواطن من الوصول إلى المعلومة من زوايا مختلفة .. لكن، الواقع يقول عكس ذلك تماما
المعضلة اليوم ليست في قلة الأصوات، بل في غياب الضمير المهني لدى من يتصدرون هذه المنابر فقد صار لقب “صحافي” يمنح لكل من يجيد نسخ خبر من فيسبوك أو تصوير فيديو مثير، دون أدنى التزام بأخلاقيات المهنة، أو حتى بقواعدها البسيطة التي هي: التحقق .. الدقة .. التوازن، واحترام كرامة الناس
حين تتحول المعلومة إلى سلاح لا يظل غياب الضمير المهني خطيئة نظرية تناقش في معاهد الإعلام فحسب، بل له ثمن باهظ يدفعه المجتمع كله، فخبر غير موثق، أو صورة خارج سياقها، أو عنوان مضلل، كل ذلك كاف لإشعال فتنة في حي أو مدينة .. وفي غياب التثبت، تتحول المنصات إلى مصانع إشاعات أسرع من أي آلة .. وهكذا، يفقد المواطن الذي يتلقى يوميا معلومات متناقضة وأخبارا كاذبة وتحليلات مبنية على الهوى، ثقته تدريجيا في الإعلام ككل، وحين تسقط الثقة، يسقط معها دور الصحافة كسلطة رابعة تراقب وتحاسب
الأخطر من ذلك، أن هذا العبث الإعلامي لا يتوقف عند حدود الإزعاج، فخطاب الكراهية، ونشر معلومات مغلوطة عن بعض المؤسسات، وتأجيج النعرات الجهوية أو الطائفية، كلها أمور تبدأ بمنشور لا يراعي صاحبه أبسط معايير المسؤولية، وقد تنتهي باضطرابات حقيقية .. تجارة “الترند” ضد رسالة الصحافة
بعض هؤلاء الدخلاء لا يرون في الصحافة رسالة، بل يرونها تجارة .. الهدف ليس خدمة الجمهور، بل جمع أكبر عدد من التفاعلات، ولو على حساب الحقيقة، كل واحد منهم يبحث عن “الترند” لا عن الخبر، وعن الفضيحة لا عن المعلومة، وعن الإثارة لا عن التحليل .. هذا النموذج يخلق منافسة غير شريفة مع الصحافي المهني الملتزم، الذي يمضي ساعات في التحقق والبحث، ليجد نفسه متأخرا أمام من نشر الخبر أولا، حتى وإن كان كاذبا. وهكذا تكافأ السرعة على حساب الدقة، وتعاقب المهنية على حساب التهافت
تؤكد النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة أننا اليوم لسنا في حاجة إلى مزيد من الميكروفونات؛ بل نحن في حاجة إلى مزيد من الضمائر .. فالصحافة التي لا تحكمها أخلاقيات تتحول إلى ضجيج، والضجيج لا يبني وعيا، بل يهدم ثقة ويمزق نسيجا اجتماعيا هشا أصلا .. وعليه، في هذا العصر الذي يتكاثر فيه كل شيء بسرعة، يجب أن نتذكر أن القيمة ليست في الكثرة، بل في الجودة، وأن الحرية التي لا يقيدها الضمير المهني تتحول سريعا إلى فوضى يخسر فيها الجميع الصحافي الحقيقي، والمواطن، والوطن
الخلاصة، ليس الخطر أن يكون هناك المزيد من الأصوات، بل أن تتحول أصواتنا إلى قنابل موقوتة، فإذا بنيت المنصات بلا ضمير، سيصبح حكم الشارع بديلا عن حكم الحقائق، وسنفيق على مجتمع مقسم ومضطرب، لا يميز بين الحقيقة والزيف .. إما أن نعيد للصحافة ضميرها ونطبق معاييرها بصرامة، أو نتحمل نتائج تسليع الخبر .. انهيار الثقة، وتآكل المؤسسات، وانفلات الخطاب العام وهو ثمن باهظ لا طائل منه سوى الخراب، والحديث عن ضمير مهني مفقود ليس دعوة لليأس، بل نداء للعمل المتعدد الأطراف .. استعادة الضمير تتطلب من المؤسسات، الصحفيين، الجمهور، والهيئات التنظيمية أن يتعاونوا لإرساء قواعد مهنية واضحة وحماية المساحات التي تنتج صحافة مسؤولة، لأن الصحافة الحقيقية ليست في العدد وحده، بل في جودة ما يقال، لأن الكم بلا كيف هو فراغ لا يملأه سوى ضجيج زائل





