

لم تكن جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب، التي انعقدت يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، جلسة برلمانية اعتيادية تختتم بانتخاب رئيس جديد وإلقاء كلمة بروتوكولية، بل تحولت، في دقائق معدودة، إلى مشهد سياسي مكشوف يطرح سؤالا أعمق من شخص الرئيس المنتخب:
هل تدار مؤسسات التمثيل بمنطق القواعد والشفافية، أم بمنطق الأغلبية التي تملك الأرقام وتتحكم في القراءة ..؟
فقد انسحب نواب «تحالف اليسار» من الجلسة العمومية، وهم يرفعون صوتهم بعبارة «هذا ذبح للديمقراطية»، احتجاجا على عدم إدراج موقفهم القائم على الامتناع عن التصويت ضمن الحصيلة الرسمية المعلنة، وبعد رفض رئيس الجلسة منحهم نقطة نظام لتوضيح موقفهم أمام زملائهم والرأي العام
جوهر الأزمة لا يكمن في فوز مرشح الأغلبية، أحمد التويزي، الذي حصل على 220 صوتا، مقابل 59 صوتا لمرشح المعارضة إدريس الأزمي الإدريسي؛ فالأرقام كانت واضحة، والفارق بين المرشحين واسع .. الخلاف الحقيقي يتعلق بطريقة التعامل مع الأصوات البيضاء أو الامتناع عن التصويت، وهو موقف سياسي اختارته مجموعة «تحالف اليسار» تعبيرا عن رفضها للخيارات المطروحة، لا عن غيابها أو انسحابها من العملية الانتخابية
فالامتناع عن التصويت، في المعنى الديمقراطي، ليس تصرفا فارغا ولا لامبالاة؛ بل هو خيار سياسي له دلالته، وقد يعبّر عن رفض المرشحين، أو عن الاحتجاج على شروط الجلسة، أو عن تحفظ على طريقة تدبير التصويت .. لذلك، فإن حذف هذا الموقف من الحصيلة المعلنة، أو إدراجه ضمن الأصوات الملغاة دون توضيح، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حدود الشفافية في تدبير الشأن البرلماني
وقد طالب نواب التحالف بنقطة نظام لشرح موقفهم، وهو حق معروف في الأعراف البرلمانية، لكن رئيس الجلسة لم يمكنهم من التدخل، وفق ما نقل عن أعضاء المجموعة .. وهنا، تحول الخلاف من مسألة إجرائية إلى مسألة مبدئية:
كيف يمكن لمؤسسة تمثل السيادة الشعبية أن ترفع الصوت عن فئة من ممثلي الشعب، ولو كان عددهم محدودا ..؟
لا شك أن الأغلبية البرلمانية تملك حق اتخاذ القرار، وأن انتخاب رئيس المجلس يتم بالأغلبية وفق القواعد المعمول بها .. لكن، الديمقراطية لا تقاس فقط بقدرة الأغلبية على الفوز، بل بقدرتها على احترام وجود المعارضة، والاستماع إليها، وضمان حقها في التعبير داخل المؤسسات
فالمعارضة ليست ضيفا مؤقتا في قاعة البرلمان، ولا خصما يجب إسكاته حتى تمر الجلسة بسلاسة، هي جزء أصيل من المنظومة الديمقراطية، ومسؤول عن المراقبة والنقد وطرح البدائل .. وإذا لم يمنح لها حق التوضيح في لحظة حساسة كهذه، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام ليست رسالة انضباط مؤسسي، بل رسالة مفادها أن القواعد تفسر عندما تحتاجها الأغلبية، وتتجاوز عندما تزعجها المعارضة
كما أن الانسحاب، رغم كونه احتجاجا حادا، لم يكن هروبا من المسؤولية، بل محاولة لكسر الصمت وإظهار أن ما جرى لا يمكن أن يمر كإجراء تقني عادي .. فمغادرة القاعة أصبحت، في هذه الحالة، أبلغ من الجلوس الصامت، وأكثر قدرة على نقل الخلاف إلى الرأي العام
الجلسة لم تنتج رئيسا لمجلس النواب فحسب، بل أنتجت أيضا اختبارا مبكرا لطبيعة العلاقة بين الأغلبية والمعارضة في الدورة البرلمانية الجديدة، فإذا كانت البداية تتم بانسحاب واحتجاج واتهامات بمصادرة حق التعبير، فإن السؤال يصبح:
كيف ستدار ملفات أكبر وأكثر حساسية لاحقا، كقوانين المالية، والإصلاحات الاجتماعية، ومساءلة الحكومة ..؟
إن البرلمان لا يحتاج فقط إلى أغلبية قادرة على التصويت، بل إلى قواعد واضحة تضمن أن كل صوت له مكان، وكل موقف له تعبير، وكل اعتراض له آلية للمعالجة .. فالشفافية ليست ترفا ديمقراطيا، بل شرط لثقة المواطن في ممثليه، وإذا شعر المواطن بأن الأصوات تحصى انتقائيا، أو أن التدخلات تمنح على أساس الانتماء لا على أساس الحق، فإن المسافة بينه وبين مؤسسات التمثيل ستتسع أكثر
في النهاية، يبدو أن بعض المسؤولين ما زالوا يعتقدون أن الديمقراطية تنجح طالما فازت الأغلبية، حتى لو خرجت المعارضة من القاعة وهي تصرخ: «هذا ذبح للديمقراطية» .. لكن، الحقيقة أن الديمقراطية لا تذبح دائما بالانقلابات والدساتير المعلقة؛ أحيانا تذبح بهدوء، في قاعة رسمية، حين يحسب الفائز ويمحى المحتج، ويمنح الميكروفون لمن يوافق ويرفع عن من يعترض
فإذا كانت الأغلبية قوية فعلا، فلا داعي للخوف من نقطة نظام أو من صوت أبيض أو من معارضة تعبر عن رفضها .. أما إذا كان الخوف من كلمة واحدة أكبر من الخوف من فقدان ثقة الشعب، فليكن للجميع يقينا أن المشكلة ليست في نواب اليسار الذين انسحبوا، بل في منطق يريد برلمانا يصوت، ولا يتكلم؛ ويحضر، ولا يعترض؛ ويوافق، ولا يسأل





