غير مصنف

النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة: كفى عبثا بتراثنا الديني باسم البحث

حين يتحول البحث العلمي إلى معول هدم .. من يحمي تراثنا الثقافي الديني من ثقافة التدمير ..؟

 

نهمس من موقعنا في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، لا نصرخ، لأن الهمس في زمن الضجيج قد يكون أبلغ من الصراخ .. نهمس في آذان الباحثين الفضوليين، أولئك الذين اتخذوا من فضولهم المعرفي ذريعة، ومن مناهج مستوردة سلاحا، لممارسة ما يمكن تسميته بثقافة التدمير الممنهج ضد مشروعية تراثنا الثقافي الديني

إننا لسنا ضد البحث العلمي، ولا ضد إعمال العقل، ولا ضد النقد .. فتراثنا الثقافي الديني، بكل ما يحمله من غنى وعمق، هو نفسه نتاج قرون من الاجتهاد والنقد والمراجعة .. لكننا، ضد تحويل البحث إلى محاكمة، وضد تحويل الباحث إلى جلاد، وضد استعمال أدوات معرفية ليست بريئة في غاياتها

ما نلاحظه اليوم، بكل أسف، هو تنامي ظاهرة تستعمل مصطلحات براقة كـ “القطيعة المعرفية” و “تفكيك النص” و “القراءة الأركيولوجية” كأسلحة لتفجير الداخل، بحيث يتم اجتزاء النصوص، وتأويلها بعيدا عن سياقها التاريخي واللغوي والاجتماعي، ويتم تضخيم التناقضات الهامشية وتقديمها على أنها جوهر التراث، بهدف وحيد هو نزع المشروعية عنه

إن هؤلاء الباحثين يقعون، عن قصد أو عن غير قصد، في مغالطات منهجية خطيرة:

أولا- إسقاط مفاهيم وقضايا اليوم على نصوص الأمس، ومحاكمة فقهاء القرن الرابع بمعايير القرن الحادي والعشرين

ثانيا- أخذ رأي شاذ أو رواية ضعيفة أو ممارسة اجتماعية منحرفة، وتعميمها لتصبح هي “الإسلام” أو هي “التراث”

ثالثا- التركيز فقط على ما يخدم أطروحة الهدم وإغفال كل ما يؤسس للبناء والتسامح والتعايش الذي عرف به المغرب

إن تراثنا الثقافي الديني ليس وثنا يعبد، لكنه أيضا ليس جدارا قصيرا يسهل هدمه، هو ذاكرة أمة، وهو صمام أمان هويتها، وهو الرابط الروحي الذي وحد المغاربة عبر القرون، من إمارة المؤمنين، إلى المذهب المالكي، إلى التصوف السني السمح

إن وجود بعض التناقضات والمغالطات غير الصحيحة التي تسربت إلى بعض كتب التراث عبر التاريخ، وهو أمر طبيعي وإنساني، لا يبرر أبدا نسف المشروعية الكلية لهذا التراث .. فالخطأ يصحح، والضعيف يبين، والمنحرف يقوم، لكن الأصل لا يهدم، كما قال علماؤنا: “الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث”

ومن موقعنا الإعلامي والنقابي، فإننا نعتبر أن الدفاع عن تراثنا الثقافي الديني هو دفاع عن الأمن الروحي للمغاربة، وهو جزء لا يتجزأ من دفاعنا عن السيادة الثقافية للمملكة .. لذلك، ندعو الباحثين الفضوليين إلى:

  1. التحلي بأخلاقيات البحث: فالبحث ليس تشهيرا ولا إثارة للجدل المجاني من أجل الركوب على موجة البوز
  2. احترام التخصص: فالحديث في علوم الدين له أهله وأدواته التي لا تختزل في قراءة كتابين مترجمين
  3. الالتزام بالموضوعية: فالغاية من البحث هي الوصول إلى الحقيقة، وليس الانتصار لأيديولوجيا مسبقة تعادي الدين

إن المغرب الذي نريده، مغرب حداثي ومنفتح، لا يمكن أن يبنى على أنقاض هويته .. الحداثة الحقة هي التي تتصالح مع تراثها فتنقحه وتصححه وتطوره، لا تلك التي تعاديه وتسعى لتدميره

وهذا همسنا، فهل من آذان صاغية ..؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق