

جاء عيد الأضحى هذا العام، لكنه لم يأت كما اعتاده المغاربة .. فرحا يملأ البيوت .. صوت التكبير يصدح في الأزقة، وضحكات الأطفال وهم يراقبون “كبش العيد” .. هذه المرة، دخل العيد بيوت المغاربة مثقلا بالامتعاض والخيبة، فصار بدل أن يكون موسم فرح، مناسبة لاستحضار مرارة الواقع المعيشي
السبب بسيط ومؤلم في آن واحد، بحيث في عدد من المناطق القروية والحضرية على حد سواء، اشتكى المواطنون من ندرة رؤوس الأغنام في الأسواق الأسبوعية، فاختفاء العرض المفاجئ جعل من كان يدخر درهما على درهم طوال السنة يقف أمام أقفاص فارغة، وكأن العيد صار حكرا على فئة دون أخرى، وحيث وجدت الأضاحي، كانت الأسعار خارج السياق تماما عن القدرة الشرائية للمواطن البسيط .. أثمان قفزت بنسبة غير مسبوقة، حتى صار ثمن كبش متوسط يساوي أجر شهر لعامل بأجر أدنى
العيد ليس مجرد طقس ديني، بل لحظة تضامن اجتماعي وإحساس بالانتماء .. لكن، ما حصل هذه السنة هو العكس تماما .. فالمواطن البسيط، الذي كان ينتظر العيد ليدخل الفرحة على أبنائه ويحيي سنة إبراهيم عليه السلام، وجد نفسه مضطرا للاختيار بين كرامته وجيبه
الامتعاض الذي عبر عنه الناس ليس “دلالا” ولا تذمرا من الشعيرة ذاتها، بل هو غضب مكتوم من وضع صار فيه أداء السنة النبوية امتيازا طبقيا .. فكيف يطلب من رب أسرة بالكاد يؤمن قوت يومه أن يشتري أضحية بأثمان تفوق 4000 و6000 درهم ..؟
وكيف يفسر له أن الدولة عجزت عن ضبط السوق وضمان توفير القطيع بأسعار معقولة، رغم الدعم المخصص للكسابة ..؟
ما حدث يكشف بوضوح عن فشل تدبيري حكومي مركب .. فالحكومة التي تحدثت كثيرا عن “السيادة الغذائية” و”حماية القدرة الشرائية” وجدت نفسها عاجزة أمام مضاربات التجار وتذبذب العرض، فلا هي ضبطت الأسعار، ولا هي ضمنت توزيعا عادلا للقطيع، ولا هي تواصلت بشفافية مع المواطن ليشرح له أسباب الأزمة
الأخطر من ذلك هو غياب أي استباقية .. فمشكل غلاء الأضاحي ليس وليد اللحظة، فمنذ سنتين والمغرب يعيش توالي سنوات الجفاف ونقص المراعي، ومع ذلك لم تتخذ إجراءات استباقية لحماية القطيع الوطني ودعم صغار الكسابة بشكل فعال .. النتيجة: سوق منفلت، ومواطن يدفع الثمن، وحكومة تكتفي بالمراقبة من بعيد
عندما يتحول العيد إلى مناسبة للشعور بالعجز، فإننا أمام أزمة أعمق من مجرد غلاء .. نحن أمام أزمة ثقة .. فالمواطن الذي يشعر أن الدولة غير قادرة على تأمين أبسط مظاهر العيد، سيفقد تدريجيا الإحساس بأن مؤسساته تحميه
الفرحة بالعيد ليست رفاهية، هي حق نفسي واجتماعي وديني، وحين تسلب هذه الفرحة بسبب سوء التدبير والغلاء، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية تتحملها الحكومة التي جعلت من التدبير اليومي معركة يخوضها المواطن وحده
خلاصة القول، العيد لا يستورد بالخطابات .. لا ينفع تبرير الأزمة بـ”الجفاف” أو “السوق العالمية” وحدها .. فالدول التي تحترم مواطنيها تضع خططا للطوارئ، وتدعم القدرة الشرائية، وتضرب بيد من حديد على المضاربين .. أما الاكتفاء بالبلاغات المتأخرة والتواصل الباهت، فهو ما يزيد الهوة بين المواطن والدولة اتساعا .. جاء العيد، نعم .. لكنه، جاء ليذكرنا أن فرحة المغاربة صارت مرهونة بسياسات حكومية عاجزة، وإذا استمر الحال على ما هو عليه، فإن الخوف ليس على الأضحية فقط، بل على ما تبقى من شعور الناس بأن العيد عيدهم





