
الجالية المغربية ليست منصة للشهرة

باريس – عبد الرحيم مالكي
في الآونة الأخيرة، لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتعبير، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل مفاهيم التمثيل والشرعية. وفي خضم هذا التحول، برزت ظاهرة لافتة تتمثل في ادعاء بعض الأفراد الحديث باسم “الجالية المغربية”، بل والإعلان عن تأسيس جمعيات تدّعي تمثيلها، دون سند واقعي أو تفويض فعلي. وبين حق المبادرة وخطر الاستحواذ الرمزي، يطفو سؤال أساسي: من يملك شرعية التحدث باسم مجتمع متعدد بهذا الحجم والتنوع ..؟
الجالية المغربية في الخارج ليست مجرد عنوان جامع، بل هي امتداد إنساني وثقافي يعكس تعددية غنية من التجارب والمسارات. فهي تضم أجيالًا مختلفة، من مهاجرين قدماء إلى كفاءات شابة، ومن عمال إلى أطر عليا، ومن فاعلين جمعويين إلى مستقلين. هذا التعدد لا يسمح باختزاله في خطاب واحد أو جهة واحدة، بل يفرض مقاربة أكثر تواضعًا وواقعية في فهم معنى “التمثيل”

وفي هذا السياق، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، في عدة مناسبات وخطب موجهة إلى الأمة، على المكانة المركزية التي تحتلها الجالية المغربية بالخارج، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الوطن. كما شدد جلالته على ضرورة العناية بمغاربة العالم، وصون حقوقهم، وتعزيز ارتباطهم بوطنهم الأم، والعمل على تحسين آليات التأطير والإنصات إليهم بما يضمن مشاركتهم الفعلية في مختلف الأوراش الوطنية
غير أن بعض المبادرات التي تظهر على السطح، خصوصًا عبر الفضاء الرقمي، تميل إلى تضخيم الذات وتقديم نفسها كـ “صوت الجالية”، في غياب أي آلية ديمقراطية أو قاعدة انخراط حقيقية
وهنا يكمن جوهر الإشكال: حين يتحول الانتماء الجماعي إلى أداة رمزية تُستعمل لتحقيق حضور إعلامي أو مكاسب ظرفية، فإننا لا نكون أمام عمل جمعوي بقدر ما نكون أمام محاولة لركوب موجة قائمة

لا أحد يعارض تأسيس الجمعيات، بل على العكس، العمل الجمعوي يظل ركيزة أساسية في تأطير الجالية والدفاع عن قضاياها. لكن الفرق شاسع بين جمعية تنبثق من احتياجات واقعية، وتشتغل وفق رؤية واضحة، وتحترم قواعد الشفافية، وبين مبادرات تُبنى على خطاب فضفاض وادعاء تمثيل غير مؤسس. الشرعية لا تُمنح عبر منشور، ولا تُكتسب بالشعارات، بل تُبنى بالتراكم والمصداقية والعمل الميداني
وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أهميتها في إيصال الصوت، قد تتحول أيضًا إلى فضاء لتضليل الرأي العام، حين تختلط الآراء الشخصية بالتمثيل الجماعي. فأن يتحدث فرد عن تجربته أو موقفه أمر مشروع، لكن أن يُقدَّم ذلك على أنه موقف “الجالية” فهو تعميم مخلّ، يُقصي تنوعًا واسعًا من الآراء ويُنتج صورة غير دقيقة
إن الجالية المغربية، بما تحمله من تاريخ وتضحيات وإسهامات، تستحق خطابًا يليق بها، لا اختزالًا يسيء إلى عمقها. الدفاع عنها لا يكون عبر احتكار صوتها، بل عبر تمكين تعددها، واحترام اختلافها، والعمل الجاد على تمثيلها بصدق ومسؤولية

في النهاية، ليست الجالية المغربية منصة للظهور أو وسيلة لبناء الشهرة، بل مسؤولية أخلاقية ومجتمعية. ومن يسعى لتمثيلها، عليه أولًا أن يُنصت لها، لا أن يتحدث بدلًا عنها





