
النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة: اليوم العالمي لحرية الصحافة بين شعار الاحتفال ومرارة الواقع ..!

يعود الثالث من مايو من كل سنة ليضع العالم أمام مرآة الحقيقة .. إنه اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993 بناء على توصية اليونسكو .. يوم الثالث من مايو ليس للاحتفال بقدر ما هو محطة سنوية لمساءلة الذات الجماعية: أين وصلنا في حماية حق المجتمع في المعرفة ..؟
وأين أصبح الصحافي في معادلة السلطة والمال والتكنولوجيا ..؟
في عام 2026، يأتي هذا اليوم مثقلا بالمفارقات، بينما تزداد منصات النشر ويتضاعف تدفق المعلومات، تتقلص مساحة الحقيقة، وبينما ترفع شعارات “الصحافة الحرة”، يرتفع عدد الصحافيين القتلى والمعتقلين والمنفيين والمفقرين
كان الهدف من اختيار الثالث من مايو من كل سنة يوما عالميا لحرية الصحافة اختيارا نبيلا، بحيث يعاد تذكير الحكومات بضرورة احترام التزاماتها بحماية الصحافيين، وتقييم وضع حرية الصحافة عالميا، وتكريم من دفعوا حياتهم ثمنا لنقل الحقيقة
لكن بعد 33 عاما، تشير تقارير منظمات دولية مثل “مراسلون بلا حدود” و”لجنة حماية الصحافيين” إلى أن وضع حرية الصحافة يمر بإحدى أسوأ مراحله:
* أكثر من 120 صحافيا قتلوا خلال 2024-2025 أثناء تغطية الحروب والنزاعات، خاصة في غزة وأوكرانيا والسودان، حيث أن القتل لم يعد خطأً عسكريا، بل استراتيجية لإسكات الشهود
* أكثر من 550 صحافيا يقبعون خلف القضبان بتهم جاهزة مثل “نشر أخبار كاذبة”، “تهديد الأمن القومي”، أو “التعاون مع جهات أجنبية”
* حجب المواقع، قطع الشبكات، قوانين “الجرائم الإلكترونية” الفضفاضة، والجيوش الإلكترونية، كلها أسلحة جديدة لقتل الخبر
المغرب ليس استثناء من هذا المشهد العالمي، رغم أن دستور 2011 نص في الفصل 28 على أن “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية”، و قانون الصحافة والنشر 88.13 ألغى العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وهو مكسب مهم .. لكن، الواقع يكشف تحديات حقيقية :
– استمرار محاكمة صحافيين بقوانين أخرى، خاصة القانون الجنائي، بتهم مثل “التشهير”، مما يفرغ قانون الصحافة من مضمونه
– أغلب المواقع الإلكترونية تعتمد على إعلانات الدولة والدعم العمومي، مما يخلق تبعية تهدد الاستقلالية
– الصحافي الرقمي يعمل بلا عقد، بلا تغطية صحية، وبأجر لا يضمن الكرامة
– حملات التشهير على وسائل التواصل، والمتابعات، والمنع من التغطية، كلها أشكال ضغط تدفع نحو الرقابة الذاتية؛ الصحافي يصبح “يحسب ألف حساب” قبل نشر تحقيق عن الفساد
– بالنسبة للوصول إلى المعلومة، رغم وجود قانون 31.13؛ الإدارة تتعامل مع الصحافي كـ”متطفل” وليس شريكا في الحق في المعرفة
رغم ذلك، المشهد المغربي ليس قاتما بالكامل .. هناك دينامية صحافية شابة، تحقيقات استقصائية جريئة تنشر رغم الإكراهات، نقابات مستقلة تدافع عن المهنة، وقضاء ينتصر أحيانا لحرية التعبير
خلاصة القول، إن الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة لا يجب أن يكون مناسبة لتبادل التهاني، بل لحظة التزامات.
على الحكومات :
* وقف تجريم الصحافة؛ لا مكان للسجن في قضايا الرأي والنشر
* إقرار قوانين لحماية الصحافيين من الاعتداء، وضمان التحقيق الجاد في الجرائم ضدهم
* تفعيل الحق في الوصول إلى المعلومة، وفتح الأرشيف العمومي
* دعم مالي شفاف وغير مشروط للصحافة المستقلة، باعتبارها خدمة عمومية مثل التعليم والصحة
على المؤسسات الإعلامية:
– احترام حقوق الصحافيين .. عقود دائمة، أجر عادل، تغطية اجتماعية، تأمين على المخاطر
– الاستثمار في الجودة والتحقيق الاستقصائي، بدل الجري خلف “الطوندونس”
على الصحافيين أنفسهم:
– التمسك بأخلاقيات المهنة: الدقة، التوازن، التعددية، فصل الخبر عن الرأي، عندما نفقد مصداقيتنا، نعطي السلطويين مبررا لقمعنا
– التكوين المستمر؛ صحافة 2026 تحتاج صحافيا يفهم البيانات، يتقن السرد الرقمي، ويكشف التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي
أيها المهنيون، الحقوق لا تمنح، بل تنتزع، ولا تنتزع إلا بتضامن “عمال القلم”
في 3 مايو من كل سنة، لا نحتفل بإنجاز، بل نجدد العهد مع معركة لم تنته .. حرية الصحافة ليست امتيازا للصحافيين، بل حق للمواطن في أن يعرف، ويفهم، ويحاسب .. كل صحافي حر هو جندي في معركة الحقيقة، وكل مواطن يدافع عن صحافة حرة يدافع عن حقه في مستقبل أفضل
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، من جهتنا في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة نقولها بوضوح: لن نقايض حريتنا بالأمان الزائف .. لن نصمت، لأن الصمت هو المقبرة الأولى للحقيقة ..!





