أخباركلمة النقابةملفات و قضايا

النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة: من يصنع الصحفي .. البطاقة أم القلم ..؟!

في زمن كثرت فيه البطاقات وقلت فيه الأقلام، لن نُقايض الضمير باعتماد، ولن نبيع المصداقية بلقب .. فإما صحافة حرة بشرف .. وإما صمت أشرف

ليكن في علم السادة جميعا، قبل أن تغريهم الألقاب أو تبهرهم البطاقات: إن بطاقة الصحافة المسماة «مهنية» – ظلما وعدوانا – والتي تسيل لعاب البعض، لا تصنع الصحفي .. لا تصنعه اسما على بلاستيك، ولا رتبة في جيب، ولا غطاءً يُستتر به خلف واجهة “الاعتماد الرسمي” .. فالصحفي يُصنع بالقلم قبل البطاقة، وبالضمير قبل الختم، وبالمسؤولية قبل المنصب .. البطاقة هوية إدارية، وليست شهادة كفاءة

صحيح أن بطاقات الاعتماد الصحافي تؤدي وظيفة إدارية وتنظيمية؛ فهي تسهّل الولوج إلى الفضاءات الرسمية، وتُعرّف بحاملها لدى الجهات الأمنية والمؤسسية، وقد تكون شرطا إجرائيا في بعض التغطيات .. لكن، تحويلها إلى «شهادة كفاءة» أو «وسام مصداقية» هو خلط خطير بين الشكل والجوهر .. فكم من بطاقة «مهنية» حملها انتحاليو السمعة، وكم من قلم حر كتب الحقيقة دون أن يملك إلا ضميرا يقظا وعينا لا تنام، ما يصنع الصحفي حقا هو منظومة قيم:

الصدق في النقل، والتوازن في العرض، والشجاعة في المواجهة، والتواضع في الاستنتاج، هو من يتحرى قبل أن ينشر، ويتأنى قبل أن يحكم، ويعرف أن الكلمة أمانة قبل أن تكون سلاحا

هذه الصفات لا تُمنح بختم، ولا تُشترى ببطاقة، ولا تُورَّث بانتماء، هي نتاج تجربة طويلة مع النص، ومع الناس، ومع الذات قبل كل شيء .. المشكلة الأكبر ليست في وجود البطاقات، بل في تحويلها إلى «ترخيص للخطأ، فبعض من يحملونها يظن أن الصفة «المهنية» تمنحه حق التجريح دون تدقيق، والنشر دون تحر، والاتهام دون بينة، هنا تتحول البطاقة من أداة تنظيم إلى درع ضد المساءلة، وهو ما يسيء إلى المهنة كلها»

المصداقية لا تُستمد من بطاقة، بل من سجل أعمال يشهد به القارئ قبل الزميل، ولو أردنا معيارا صادقا لمعرفة الصحفي من غيره، فلننظر إلى نصوصه قبل بطاقته .. إلى دقة تفاصيله، وإلى توازن زواياه، وإلى احترامه لخصوصيات الناس، وإلى شجاعته في قول الحق حتى حين يكون مرا

الصحفي الحقيقي هو من يكتب كما لو أن كل كلمة ستُحاكم غدا، ومن ينشر كما لو أن كل جملة ستُقرأ بأعين تبحث عن الحقيقة لا عن الإثارة، وحسب ما سبق، فقد حان الوقت لنعيد تعريف «المهنية» في صحافتنا .. لا هي رخصة انفعال، ولا بطاقة عبور، ولا لقب يُعلق على الصدر .. المهنية التزام أخلاقي قبل أن تكون صفة وظيفية

المهنية هي أن تعرف أن قلمك أمانة على سمعة الناس، وأن كلمتك قد تبني ثقة أو تهدمها في سطر واحد .. هي أن تدرك أن “الصحفي” صفة تُكتسب بالعمل اليومي، لا تُمنح بالاعتماد الإداري

فليكن في علم السادة جميعا: البطاقة قد تفتح أبوابا، لكنها لا تفتح عقولا، قد تُسهل ولوج القاعات، لكنها لا تضمن ولوج القلوب .. الصحفي الحقيقي هو من يصنعه قلمه لا جيبه، ومن يكتب بضمير لا ببطاقة، ومن يعرف أن الحقيقة أغلى من أي اعتماد، وأن الحرية أثمن من أي ختم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق