

عاد اسم محمود عرشان، رئيس مجموعة الحركة الديمقراطية الاجتماعية بمجلس المستشارين والمعروف إعلاميا بـ “الكوميسير السابق”، إلى واجهة النقاش العمومي المغربي، بعد خرجته المثيرة اليوم الأربعاء أمام رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، خلال جلسة مناقشة التصريح الحكومي بمجلس المستشارين
وجاء تدخل عرشان ردا على موجة الانتقادات الواسعة التي أعقبت استقبال رئيسة الحكومة له وللوفد المرافق له خلال مشاورات تشكيل الحكومة، حيث سعى إلى الدفاع عن مساره الشخصي والسياسي، وتقديم روايته الخاصة للتاريخ، وخلال تدخله، استعرض عرشان جوانب من مساره، مؤكدا أنه نقيب الشرفاء الأدارسة بمنطقته، وعضو منتخب وليس معينا في المجلس الوطني للمقاومة وجيش التحرير، وأنه حصل على ميدالية ذهبية من مجلس الشيوخ الفرنسي، كما قال إنه تطوع في المسيرة الخضراء المظفرة
غير أن هذه الخرجة، بدل أن تغلق الملف، أعادت فتحه على مصراعيه، وأثارت تساؤلات واسعة في الشارع المغربي حول تاريخ المعني بالأمر، وعلى وجه الخصوص حول توقيت انخراطه الفعلي في صفوف جيش التحرير، ومدى دقة استحضاره لمشاركته في المسيرة الخضراء كورقة دفاع عن سجله .. هل السؤال عن تاريخ الانخراط في جيش التحرير طعن شخصي ..؟
لم يكن تساؤل الشارع المغربي عن تاريخ انخراط محمود عرشان في جيش التحرير مجرد استفزاز أو محاولة للطعن في شخص بعينه، بل كان تعبيرا عن حق مشروع في معرفة التاريخ والتحقق من الادعاءات التي يقدمها المسؤولون عن أنفسهم
فالانتماء إلى جيش التحرير ليس مجرد صفة رمزية تستدعى في الخطاب السياسي عند الحاجة، بل هو جزء من تاريخ وطني عريق، ارتبط بنضال المغاربة ضد الاستعمار وبناء الدولة الحديثة، وسالت فيه دماء زكية .. ولهذا، فإن طرح السؤال حول متى انخرط عرشان في صفوف جيش التحرير، وما هي الوثائق والشهادات الرسمية التي تؤكد ذلك، يظل سؤالا مشروعا في إطار النقاش العمومي الحر .. فالذاكرة الوطنية ليست ملكا لفئة بعينها، ولا يمكن استعمالها كدرع سياسي دون تحقق ودقة ومسؤولية .. وأما المسيرة الخضراء ليست ورقة دفاع شخصية
في المقابل، لا يمكن أن تمر إشارة عرشان إلى مشاركته في المسيرة الخضراء دون التذكير بأن هذه المحطة التاريخية لم تكن حدثا فرديا ولا ورقة سياسية تستعمل عند الحاجة .. فالمسيرة الخضراء كانت لحظة وطنية استثنائية واستثنائية بكل المقاييس، شارك فيها نحو 350 ألف مغربي ومغربية، تلبية لنداء مبدعها جلالة الملك الراحل الحسن الثاني طيب اللـه ثراه، في مسيرة سلمية فريدة لاسترجاع الأقاليم الصحراوية من الاستعمار الإسباني
إن شرف المشاركة في هذه المسيرة يعود إلى مئات الآلاف من المغاربة الذين حملوا المصاحف والأعلام، وساروا حفاة نحو العيون، دفاعا عن وحدة البلاد الترابية .. ولذلك، فإن استحضار هذه المحطة من طرف أي مسؤول أو سياسي يجب أن يتم باحترام كبير لرمزيتها ولتضحيات المناضلين الذين شاركوا فيها، لا كأداة للدفاع الشخصي أو لتصفية الحسابات السياسية
بين حق الدفاع وحق المجتمع في السؤال من حق محمود عرشان أن يدافع عن نفسه ويرفض الاتهامات التي توجه إليه، خاصة في ظل استمرار الجدل حول ما يعرف بسنوات الجمر والرصاص، فقد صرح خلال تدخله بأنه ليس “جلادا”، واتهم بعض الجهات بمحاولة تلويث الذاكرة الوطنية، وقال إنه مستعد للخوض في مناظرة تلفزيونية لكشف ما وصفه بـ “الجلادين الحقيقيين” .. لكن، في المقابل، يبقى للمجتمع المغربي وللضحايا وللمنظمات الحقوقية الحق الكامل في طرح الأسئلة والتحقق من الادعاءات .. فالدفاع عن الذات لا يعني إسكات النقاش أو وصم المنتقدين بوصفهم “طابورا خامسا” أو محاولين لتلويث الذاكرة الوطنية، بل إن احترام الذاكرة الوطنية يقتضي بالضبط فتح النقاش بشفافية، والاعتراف بالحقائق، والاستماع إلى شهادات الضحايا، دون إقصاء أو تجريم مسبق لأي طرف
ولم يتردد عرشان خلال تدخله في اتهام وسائل إعلام وطنية بفرض “رقابة” عليه وتضليل الرأي العام بخصوص لقائه برئيسة الحكومة خلال المشاورات، بل وتمادى في تبخيس المؤسسات الدستورية حين نعت وزير سابق ووزراء في حكومة جلالة الملك بـ “المساعدين” .. والحال أن حرية النقد الإعلامي ليست رقابة، بل هي صمام أمان الديمقراطية، ولا يمكن تكميم الأفواه كلما طرح سؤال مزعج، وكان أولى بدار البريهي، التي مست مصداقيتها بشكل مباشر، أن ترد بقوة وتكشف للرأي العام حقيقة ما جرى، بدل لغة الصمت التي تكرس الاتهام
ليسمح لنا السيد عرشان، من موقعنا في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة أن نوضح له، أن الصحافة الحرة لم تكن يوما عدوا للسياسيين، بل كانت وستظل شريكا في بناء الديمقراطية، وأداة أساسية لتمكين المواطن من حقه الدستوري في الوصول إلى المعلومة وتكوين رأي مستقل ومسؤول .. ولذلك، فإن الرد على الانتقادات المشروعة لا يكون بالتهديد والوعيد، ولا بالاتهام المتبادل، ولا بالانتقاء المزاجي لملفات الماضي، بل يكون بالحجة الدامغة، والوثيقة الرسمية، والشهادة الموثوقة، فمن يملك الحقيقة لا يحتاج إلى الصراخ، ومن يملك الوثيقة لا يحتاج إلى تخوين الصحافة
إن خرجة محمود عرشان أمام رئيسة الحكومة لم تكن مجرد تدخل برلماني عادي، بل كانت محطة جديدة في نقاش أوسع وأعمق حول الذاكرة الوطنية والحقوق والحريات ومسؤولية المسؤولين أمام التاريخ .. فالمغاربة اليوم، في هذه المرحلة الحساسة التي نعيشها، حيث نحن أحوج ما نكون إلى مصالحة حقيقية مع التاريخ وإلى تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، لا يطلبون إدانة مسبقة لأحد، لكنهم يطالبون بالشفافية والتحقق واحترام ذاكرة الضحايا وشرف المشاركين في المحطات الوطنية الكبرى
لا يمكن أن تستعمل المسيرة الخضراء أو الانتماء إلى جيش التحرير كأوراق سياسية تستدعى عند الحاجة ثم تنسى في أوقات أخرى .. فالمسيرة الخضراء شرف 350 ألف مغربي ومغربية، وجيش التحرير رمز وطني عريق، ولا يليق بهما أن يتحولا إلى أدوات في سجال شخصي أو سياسي .. إن احترام المؤسسة الملكية، واحترام ذاكرة المرحوم الحسن الثاني مبدع المسيرة، واحترام شهداء جيش التحرير والمقاومة، يفرض علينا جميعا، سياسيين وصحافيين، أن نتعامل مع التاريخ بقدسية، لا بمزاجية، في حين يبقى السؤال مفتوحا ومشروعا، ويحتاج إلى جواب بالوثائق لا بالخطب: متى كان محمود عرشان منخرطا فعليا في صفوف جيش التحرير ..؟ وما هي الوثائق الرسمية التي تؤكد ذلك ..؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة بشفافية ومسؤولية، هي الطريق الوحيد لاحترام الذاكرة الوطنية، وصيانة المصلحة العامة، وتحصين المرحلة الحساسة التي يمر بها المغرب من أي توظيف سياسوي للتاريخ
الخلاصة، إن ما جرى داخل قبة مجلس المستشارين يتجاوز شخص محمود عرشان، ليطرح سؤالا وجوديا في هذه المرحلة الحساسة التي يمر منها المغرب: هل سنحمي ذاكرتنا الوطنية من التوظيف السياسوي، أم سنتركها عرضة للمزايدات ..؟ فالمسيرة الخضراء ليست ورقة انتخابية، وجيش التحرير ليس شعارا يرفع عند الحاجة .. المسيرة الخضراء هي دماء 350 ألف مغربي لبوا نداء الحسن الثاني رحمه اللـه، وجيش التحرير هو تاريخ رجال قاوموا الاستعمار بالسلاح والدم، وليس بالتصريحات
لقد طوينا صفحة سنوات الجمر والرصاص بفضل مسار الإنصاف والمصالحة الذي أبدعه جلالة الملك الراحل الحسن الثاني وكرسه جلالة الملك محمد السادس حفظه اللـه، بفضل هيئة الإنصاف والمصالحة، ولا يمكن اليوم أن نعود إلى الوراء لنستعمل الماضي كسلاح للترهيب أو كدرع للهروب من المحاسبة .. إن التاريخ لا يرحم، والوثائق لا تكذب، والشعب لا ينسى، ومن أراد أن يدخل التاريخ من باب المسيرة الخضراء وجيش التحرير، فليدخله بالوثائق لا بالشعارات، لأنه فوق كل سياسي، وفوق كل حزب، وفوق كل منصب .. هناك الوطن، وهناك ذاكرته المقدسة التي لا تقبل المساومة





