أخبارمتفرقاتمجتمع

عطالة العقل العربي أمام الذكاء الاصطناعي ..!

أمام فتوحات العقل الإنساني الغربي، التي شملت جميع جوانب الحياة المعاصرة بما فيها توظيفه للعقل الآلي الذي خلقه لتسهيل شروط حياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، يظل عقلنا العربي معطلا بآفة العجز عن ممارسة وظائفه البيولوجية والفسيولوجية .. هذا العجز، ناتج عن الحصار المضروب عليه من قبل الذين يتحكمون في تأهيله السوسيواقتصادي والسياسي والثقافي، إذ يخشون انفلاته من حزمة السلاسل الموضوعة في طريقه، يمنع ذلك، العقل العربي من استيعاب واستخدام الفكر النقدي والعلمي، مما يعيقه عن الثورة على عصور الظلام والتخلف التي مر بها، والتي لا يزال يواجه بقاياها اليوم

إن الذين عملوا على تكريس عطالة هذا العقل العربي في فترات الاستبداد والانحطاط لا يدركون أنهم حرموه من ممارسة وظائفه الطبيعية، ورسخوا دونيته التي لا يبررها جموده وقصوره وعقمه وتراجعه، حدث ذلك خلال الفترات التي نهض فيها العقل الغربي، الذي كان قبل عصر النهضة يعيش شللا وتخلفا أنقذه منه العقل العربي بمعرفته وخبرته وقيمته الحضارية المتقدمة .. لكن، عناصر قوة هذا العقل تلاشت في صراع السلطة والثروة بين القوى التي خلفتها فترات ضعف الخلافة الإسلامية الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية و غذتها محاولات الحضارات الشرقية والغربية للهيمنة على العقل العربي، وتعطيله لمنعه من المنافسة واستمرار الريادة التي كان عليها في عدة مجالات، والتي شجع عليها المرجعية الإسلامية الثورية الإنسانية المشرقة، لم يتوقف أعداؤها عن محاصرته وفرض العوائق أمامه حتى اليوم، بما في ذلك منظور الديانات الأخرى التي سعوا من خلالها لعرقلة تسامح الإسلام وتحرره، الذي جاء للعرب وغيرهم

تمكن العقل العربي في شبه الجزيرة من الانطلاق والتطور رغم طبيعة الأرض الصحراوية، ومنافسة أرقى الحضارات المجاورة مثل الرومانية واليونانية والفارسية عبر التعامل الحضاري الذي سمحت به تجارة القوافل، حيث أدت هذه التجارة إلى ازدهار الاقتصاد العربي الذي نصح به الدين الإسلامي في نصوص القرآن والسنة النبوية، مما جسد بداية نشأة نظام رأسمالي تجاري جديد في المنطقة .. أغنى ذلك، التجارة العالمية، إذ لعبت القوافل دور الوسيط بين حضارتي فارس والرومان، مما عزز المشروع الحضاري العربي الإسلامي بعد تأسيس الدولة في المدينة المنورة

إذن، العقل العربي معطل عن القيام بوظائفه بصورة طبيعية، كما هي حالة العقل في التجمعات السكانية الأكثر تقدما وتحضرا في عالمنا المعاصر .. هذه العطالة، مفروضة من القوى المجتمعية التي تخشى حرية وتمرد وحركة العقل العربي النقدية والإبداعية، كما تعيشها بقية العقول في مجتمعات وعت بدورها المحوري في الأوضاع الراهنة المختلفة جذريا عن مراحل تطورها التاريخي السابقة

لا يتوقع أن يتجاوز العقل العربي هذه العطالة المتعددة ما دام يخضع لقبضة حديدية تحت إيديولوجية محافظة تخدم المافيات الانتفاعية المسيطرة عليه، والتي لا تؤمن بتطوره ورقيه .. إذ، يطالب المثقفون الطليعيون من أبنائه بتعميق مجالات تحرره السياسي والثقافي ليتمكن هذا العقل من الانطلاق دون تعثر أو خوف أو تردد

الإشكال الخطير الذي يجب الانتباه إليه أن مجتمع المعرفة أصبح يفرض قوانينه وقيمه على المجتمعات التي تستخدم منتوجات ثورته التقنية، الموظفة في جميع المجالات، بحيث تحول العقل البشري في ظل هذه الثورة التقنية المتقدمة إلى كائن مسكون ومهووس بما يتم التوصل إليه في هذه التكنولوجيا، التي أصبح يثق بها ويكيف وجوده عليها في كل مجالات حياته اليومية، حيث وصل الأمر في بعض الدول إلى الاعتماد عليها في مجالات الصحة والاقتصاد والتعليم .. ناهيك عن استخدامها في المجالات الأمنية والعسكرية والعلمية

فأين عقلنا العربي من مجتمع المعرفة الذي أصبح عنوان القوة والحضور في هذه الفترة من التاريخ ..؟

وهل سيظل في عطالته إلى إشعار آخر، في الوقت الذي يشهد فيه مجتمع المعرفة حركة تحول وتطور سريعة لا يعرف إلى أين تقود العقل الإنساني ..؟

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق