
حين تتحول الصحافة من مهنة مقاومة إلى وظيفة إدارية

الصحافة مهنة مقاومة قبل أن تكون وثيقة رسمية، ولكن عندما يتحول الهدف إلى مجرد الحصول على “بطاقة الصحافة”، تتحول المهنة من ضمير عام إلى وظيفة إدارية بلا وزن .. هذا الانحطاط لا يؤثر في الصحافيين وحدهم؛ إنه يسلب المجتمع حقه في مساءلة أصحاب القرار، ويمنح السلطة حضن الصمت، بدل الإعلان والتحقيق
المشكلة ليست مجرد حرمان الأفراد من الاعتراف الرسمي، بل نظام يحفزهم على الرضوخ .. لذا، يجب أن تكون بطاقات الصحافة أداة لتنظيم مهنة محترفة، لا عصا لتكريس الولاءات وفرض الرقابة المبطنة، لأنه حين تمنح البطاقات بمقاييس “بزنس” أو محسوبية سياسية، بدل المعايير المهنية والشفافية، ينعكس ذلك سلبا على المحتوى .. تقارير مطبوخة، تحقيقات تطوى، وأسئلة حاسمة تسكت حفاظا على أمن وظيفي هش
الضغط الاقتصادي، المتمثل في تدني الأجور وقلة فرص التوظيف، يجعل الصحافيين عرضة للمساومات، لا سيما في بلدان تعاني هشاشة منظومات إعلامية، حيث يصبح “السلام” الذي يسعى إليه كثيرون -تجنب النزاعات القضائية، ضمان دخل ثابت، علاقة سلمية مع مصدر التمويل- غاية في حد ذاتها .. لكن، السلام الناتج عن الصمت أو التطبيع مع الفساد ليس سلاما حقيقيا؛ إنه تسوية أخلاقية يدفع ثمنها المواطنون
علينا، نحن خدام مهنة المتاعب، أن نفرق بين سلام الحماية وواجب المواجهة .. نعم، نحتاج إلى إجراءات حماية قانونية، وتأمين صحي ومهني، ودفاع قانوني فعال .. لكن، أي حماية لا تقترن بالتزام مهني صارم وتقييم مستقل للممارسة ستكرس الانتهازية
الصحافة أيها السادة، ليست شعارا على ورق؛ إنها ممارسات ثابتة .. التحقق من المصادر، نشر الوقائع قبل الخطاب، احترام الأخلاقيات، والحفاظ على استقلالية التحرير .. لذا، لا بد من إصلاحات عاجلة ومحددة لتنظيم منح البطاقات بشفافية تحت إشراف لجان مستقلة، معايير واضحة، آليات استئناف علنية، دون محسوبية أو إقصاء .. لهذا، يجب فصل الإدارة عن الهيئة التحريرية داخل المؤسسات الإعلامية، وفرض عقوبات واضحة على التدخل في المحتوى التحريري، كما ينبغي تحسين الأجور وتطوير تقنيات العمل، لأن الاستقرار المادي شرط لاستقلالية فكرية ومهنية
إذن، إما صحافة حرة تقلق السلطة وتخدم الناس، أو بطاقة معلقة على الحائط تزين حائط الصمت .. الزمن لا يرحم المتواطئين، والتاريخ لا يحفظ إلا من دفع ثمن الحقيقة .. فلتكن بطاقة الصحافة شهادة مقاومة لا صك ولاء، وإلا فسننتظر جيلا يتعلم أن يسأل بصوت خافت أو لا يسأل إطلاقا





