

* عبدالسلام عبدالنبي
في ذاكرة الوطن تسكن أسماء الشهداء كأيقونات للفداء والتضحية .. رجال سقطوا بأجسادهم ليقف الوطن شامخًا .. قدموا أرواحهم من أجل قيم لا تموت .. الحرية الكرامة .. السيادة .. العدالة لكن، خلف هذا المجد المتوهج تختفي حكايات صامتة .. حكايات أليمة لم تُكتب بالمداد و إنما كتبت بالدموع والخذلان .. حكايات الأرامل اللواتي بقين في الهامش بعدما انتهت المعركة ورفع العلم و بقيت صور الشهداء معلقة على الجدران، بينما ظلت معاناة ذويهم منسية على الأرصفة و في زوايا البيوت
أرملة الشهيد لم تكن فقط زوجة محبة فقدت رفيق دربها، بل كانت أيضًا أمًا مكلومة و معيلة وحيدة و قلبًا مصلوبًا على جدار الصبر .. امرأة و قفت في وجه الإعصار دون سند، لم يكن الحزن وحده ما يؤلمها، بل خذلان الدولة و المجتمع من حولها .. سنوات و هي تكد و تتعب كي لا يسقط الأيتام في الضياع، كانت تطبخ بحصى الصبر و تغطيهم بلحاف الكرامة و تداويهم بكلمات منقوشة من الذكريات
وإن كانت بعض الأسر قد حالفها الحظ فوجد الأبناء من يأخذ بيدهم و يوجههم و يمنحهم الدعم و الدراسة و الرعاية، فكم من أبناء الشهداء وجدوا أنفسهم بلا ظهر ولا معين ولا قريب يرحمهم، ولا مؤسسة تعترف بهم، بل إن منهم من تشرد منذ طفولته، و منهم من أنهى دراسته .. لكنه، خرج إلى الشارع بلا وظيفة ولا فرص، و منهم من انزلق إلى الانحراف لأنه لم يجد في هذا الوطن من يقول له أنت ابن شهيد و هذا يكفي
ومع توالي السنوات تحولت الصدمة إلى آثار نفسية متراكمة في صدور الأبناء من دون أن تنتبه إليهم أي جهة مختصة، لا أحد أحصاهم، لا أحد سأل عنهم، ولا أحد فتح لهم أبواب الطب النفسي، أو إعادة التأهيل .. فلا برامج للدعم و لا مرافق للإصغاء ولا مسؤول سهر على تسكين الجراح النفسية التي لا يراها أحد .. لكنها، تنخر الروح
ولعل من أشد المفارقات أن الدولة حين أرادت أن تكرم أبناء الشهداء منحتهم صفة مكفولي الأمة وهي عبارة تحمل في طياتها أجمل المعاني وتعبر عن حضن الوطن عن رعاية الدولة، عن أن الوطن لا ينسى أبناء من دافعوا عنه حتى الموت .. و لكن، هذه الصفة لم تكن إلا شعارًا جميلاً في خطابات المناسبات لا أكثر .. في الواقع، لا أحد كفلهم ولا أحد آواهم، بل كانوا منبوذين و مقصيين، لا يستفيدون من أي امتياز فعلي ولا يُشركون في أي برنامج يرقى لمعنى التكريم الحقيقي
لم تشمل هذه الرعاية أحدا لا من بداية الحرب و لا في منتصفها ولا حتى بعد وقف إطلاق النار .. سنوات وسنوات مرّت كأنهم لم يكونوا وكأن آباءهم لم يموتوا دفاعًا عن هذه الأرض، والنتيجة أن من تفوق منهم و درس بجد بلغ اليوم سن اليأس و البطالة بعدما اجتاز السن القانوني للاستفادة من الوظيفة و لم يعد له من الأمل سوى النظر إلى الوراء بحسرة و التطلع إلى الأمام بخوف
اليوم، لا يطلب هؤلاء سوى أن ينصفوا و لو بالأثر الرجعي .. أن تعترف الدولة بأن ما فاتها بالأمس يمكن أن يُعوض اليوم .. لكن، حتى هذا الأمل أصبح صعبًا في ظل فكر إداري متجمد لا يرى في الماضي مسؤولية، بل يراه صفحة طُويت و يطلب من أبناء الشهداء أن يطووا معها ألمهم وصبرهم و انتظارهم
هكذا ظل الأثر الرجعي مجرد فكرة تتقاذفها السنون و يتقاذفها الجمود الفكري، فلا من يعترف بالحق، و لا من يُشفق على الحال، بينما الوطن يتغنى بالشهداء في نشراته و يترك أراملهم و أيتامهم للضياع
وإذا كانت العدالة قيمة عليا، فإن أوّل من يجب أن تشملهم هي أسر الشهداء .. وإن كان الوفاء شعارا، فإن اختباره الحقيقي ليس في الكلمات و إنما في الأفعال .. فإما أن نكون أوفياء لمن ضحوا، أو نكف عن الحديث عن الشرف والتضحية، وإما أن نعيد الاعتبار لمن تحملوا وزر الفقد وحدهم، أوأن نعترف بأننا أخلفنا الوعد و تخلفنا عن المروءة
* ابن شهيد حرب الصحراء المغربية





