

لقد كان خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش لسنة 2017 واقعيا وصريحا حين كشف عما تعانيه الساحة الحزبية من قصور واضح في أداء الأدوار الأساسية المنصوص عليها دستوريا .. التأطير والتمثيل، لم يكن النقد مجرد ملاحظة بروتوكولية، بل هو إنذار مبكر عن هشاشة الديمقراطية التمثيلية في بلدنا، حيث تبدو عدة أحزاب عاجزة عن ترشيح النخب القادرة على تحمل مسؤوليات الحكم والتمثيل داخل المؤسسات المنتخبة والحكومة على السواء، وعلى مشارف استحقاقات قادمة (شتنبر 2026)، يصبح استحضار ذلك الخطاب والعمل بمقتضاه أمرا لا يطاق تأجيله
إن تجربة السنوات الماضية كشفت أن عددا من الأحزاب اختزل نشاطها في منطق الانتخابات والتوزيع الحزبي للمناصب، متخلّية عن دورها التأسيسي في تأهيل قيادات قادرة على التسيير السياسي والإداري .. هذا الإخفاق له أسباب متعددة:
* ضعف البنية التنظيمية الداخلية
* غياب برامج تدريبية للنخب الشابة، التضارب بين المصالح المحلية والوطنية
* نمطية الولاءات التي تحجب الكفاءة
النتيجة عملية انتخابية وتصويتية تنتج ممثلين لا يملكون رؤية تنفيذية أو قدرة على المبادرة السياسية البنّاءة، وعندما تعجز الأحزاب عن تقديم نخب قادرة، يتعثر الفعل المؤسساتي .. قرارات بطيئة، مشاريع تنموية غير منسجمة، وإدارة عمومية تفتقر إلى الانسجام السياسي .. المواطن يدفع ثمن ذلك عبر خدمات عمومية متذبذبة وفرص اقتصادية مهدرة، بحيث أن ضعف الثقة في العملية السياسية، يعزز ظواهر الامتناع عن التصويت واستعجال الشعارات الشعبوية، مما يرسّخ ثقافة المحسوبية والزبونية داخل القوائم الحزبية، فتغيب معايير الجدارة والاختيار على أساس الكفاءة
بالمناسبة، ومع اقتراب استحقاقات انتخابية (2026)، تتضاعف أهمية هذه الملاحظات، بحيث أن الانتخابات ليست مجرّد تنافس على المقاعد؛ بل اختبار لمدى قدرتنا على تجديد النخبة السياسية وخلق توازن بين الخبرة والطموح الشبابي، وإذا استمرت الأحزاب في سلوكها الحالي، فسنشهد موسما انتخابيا متكرر يؤدي إلى النتائج التالية: قوائم لتأمين المصالح الآنية، برامج سطحية، ونخب لا تمتلك مقاربات حلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية .. أما إذا تعاملت الأحزاب بجدية مع التحذير الملكي من 2017، فبإمكانها تحويل الاستحقاقات المقبلة إلى فرصة إصلاح حقيقي لا تجميلي
إن تذكير صاحب الجلالة في 2017 ليس مجرد تكرار لقيمة واضحة؛ بل هو دعوة للصحوة السياسية .. الاستحقاقات المقبلة تمثل مفترق طريق: إما إعادة إنتاج منطق الفساد السياسي وشبكات المصالح، أو انتهاج طريق الإصلاح الذي يبدأ من داخل الأحزاب نفسها .. الوقت ليس في صالح التأجيل .. استحقاقات شتنبر 2026 ستكون أمام النخب الحزبية فرصة لإثبات أن السياسية في المغرب قادرة على التجدد، وأن التمثيل ليس مجرد شعار دستوري، بل ممارسة يومية تتطلب الجدية والمسؤولية والكفاءة





