
بشرى لسكان الدارالبيضاء عمدة المدينة تقول: “الصحة غتولي تجي للدار” ..!
تصريح الرميلي بين الوهم الانتخابي والاستهتار بعقول المغاربة .. !

في خضم الحملة الانتخابية الساخنة التي تسبق استحقاقات 23 شتنبر، وفي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن المغربي، والبيضاوي على وجه الخصوص، خطابا واقعيا يلامس جروحه اليومية، خرجت علينا السيدة نبيلة الرميلي، عمدة مدينة الدار البيضاء، بتصريح أقل ما يقال عنه إنه صادم، ومستفِز، ولا يحترم ذكاء الناخب
قالت السيدة الرميلي، وهي تخاطب جمهورها الانتخابي ما معناه: “لو حالفنا الظفر بالفوز في الاستحقاقات المقبلة، سيصبح الطبيب هو الذي يأتي عند المريض، وليس المريض هو من يذهب عند الطبيب في المستشفى” .. انتهى كلام السيدة العمدة
ولنا، في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، أن نسأل: هل نحن أمام مشروع صحي ثوري، أم أمام قمة الاستهتار والاستهزاء بعقول الناخبين ..؟
السيدة الرميلي ليست مرشحة جديدة جاءت من فراغ لتبشرنا بالمعجزات؛ فهي عمدة العاصمة الاقتصادية، ألم تعلم السيدة التي تعد المواطنين بالطبيب، أن مستشفى ابن مسيك، الذي توفيت فيه أم لستة أطفال قبل أيام فقط، لا يتوفر على أطباء كافين للمداومة ليلا، اللهم إلا بعض المتدربين ..؟
هل نسيت أن مستشفيات مولاي الحسن، وابن رشد، والهاروشي، والسقاط، تعرف خصاصا مهولا يصل إلى 40% في الأطر الطبية ..؟
ألا يصلها نبأ آلاف المغاربة الذين ينامون أمام المستشفيات الجامعية لأسابيع من أجل موعد «سكانير» أو تحليلة بسيطة ..؟
كيف سيذهب الطبيب إلى منزل المريض، والمريض نفسه لا يجد طبيبا حين يذهب هو بنفسه إلى المستشفى ..؟
إن هذا التصريح ليس وعدا انتخابيا، بل هو هروب إلى الأمام، ومحاولة لتغطية فشل تدبيري فاضح بشعارات رنانة
إن هذا الكلام يدل على جهل مركب بحقيقة المنظومة الصحية؛ فبدل أن تعدنا السيدة العمدة ببناء مستشفيات، وتجهيزها، وتوفير الأطباء والممرضين وتحفيزهم على عدم الهجرة إلى الخارج، تعدنا بفكرة مستحيلة التطبيق، تصلح لفيلم خيالي، ولا تصلح لسياسة عمومية
وهنا بيت القصيد: أليس هذا باستهتار واستهزاء بالناخبين ..؟
الناخب المغربي اليوم لم يعد ذلك المواطن الساذج الذي يمكن الضحك عليه بكلمتين؛ فالناخب اليوم هو، أم فقدت ابنتها بسبب الإهمال في مستشفى عمومي تاركة وراءها جيش من الأطفال يواجهون المجهول، وهو شاب عاطل يحمل دبلوم التمريض ولم يجد منصب شغل، وهو أب باع أثاث بيته ليعالج ابنه في مصحة خاصة لأن المستشفى العمومي طرده .. أين هي السيدة العمدة التي تعدنا بأن الطبيب سيأتي إلى المنزل ..؟
هذا الناخب يريد حلولا واقعية: يريد مستشفى قريبا، نظيفا، فيه طبيب، وفيه دواء؛ لا يريد طبيبا يطرق بابه للتصوير معه في الحملة الانتخابية
إن إطلاق وعود بهذا الحجم، دون دراسة، ودون أرقام، ودون ميزانية، هو قمة الاحتقار للمواطن؛ إنه رسالة تقول: «أنتم لا تفهمون، سنقول لكم أي شيء لتصوتوا علينا»
يا سيدة الرميلي، المغاربة لا يريدون طبيبا يأتي إلى بيوتهم؛ المغاربة يريدون فقط أن يجدوا طبيبا حين يذهبون هم إلى المستشفى وهم يصارعون الألم .. !
المغاربة لا يريدون وعود التوصيل «دليفري»؛ يريدون مستشفيات تحترم آدميتهم ..! لقد سئم الناس من خطاب التسويق الانتخابي الذي يعتبر المواطن زبونا ساذجا؛ فالصحة حق دستوري، وليست هدية انتخابية توزع في التجمعات
إن أكبر إهانة توجه اليوم للناخب المغربي هي أن تعده بطبيب يزوره في المنزل، وهو حتى سيارة الإسعاف لا تأتيه إلا بعد أن يدفع ثمن البنزين ..! كفى استهتارا .. فزمن الضحك على الذقون ولّى، وصندوق 23 شتنبر سيكون هو الطبيب الحقيقي الذي سيأتي ليشخص فشل هذه الوعود، ويستأصلها من جذورها
إن 23 شتنبر لن يكون مجرد يوم اقتراع؛ سيكون يوم تشريح لجثث السياسات الفاشلة، ويوم استئصال لورم الاستهتار الذي نخر جسد التدبير العمومي .. فإما أن يعيد الناخب الاعتبار لصوته فيجعل منه مشرطا يقطع دابر الوهم، أو سيظل حبيس دائرة الوعود «الدليفري» التي تصل إلى بابه، ثم تختفي مع صباح اليوم التالي
المستشفيات لا تصلح بالشعارات، والكرامة لا تبنى بالكاميرات .. والبيضاويون، أكثر من غيرهم، يعرفون أن الطبيب الحقيقي هو من يجدونه حين يشتد الوجع، لا من يطرق أبوابهم في موسم الانتخابات فقط .. فليكن 23 شتنبر يوم الحساب .. وليكن صوت البيضاويين هو المشرط الذي يستأصل وعود «الدليفري» من قاموس السياسيين




