
أحزاب و نقاباتأخبارالسياسة
التصويت العقابي الشامل .. هل حانت لحظة إسقاط أغلبية أخنوش الثلاثية في 23 شتنبر ..؟

لم يعد الحديث عن إمكانية «التصويت العقابي» ضد كل أطراف حكومة عزيز أخنوش مجرد تكهّنات إعلامية، بل تحوّل إلى مطلب شعبي متصاعد في الشارع المغربي، وسط تراكم الإحباط من سياسات اقتصادية واجتماعية فشلت في الوفاء بأبسط وعودها، فبعد خمس سنوات من التدبير الحكومي الذي اتسم بالتباين الصارخ بين خطاب الأرقام المكثف وواقع المعيش اليومي للمواطنين، لم يعد من المستغرب أن يتحول الاقتراع المرتقب في 23 شتنبر إلى لحظة محاسبة جماعية لكل من شارك في هذا المسار
سبق لرئيس الحكومة عزيز أخنوش أن قدم في أبريل 2026 حصيلة حكومته أمام البرلمان، معتمدا لغة الأرقام والمؤشرات الكمية التي حاولت رسم صورة وردية لمسار الإصلاح .. لكن، وراء هذه الأرقام تختفي حقائق قاسية تكشف عن فشل ذريع في ترجمة النمو إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين
وعدت الحكومة بتحقيق متوسط نمو اقتصادي في حدود 4%، لكن المعطيات الرسمية تشير إلى متوسط نمو لا يتجاوز 3.47% خلال الفترة 2021-2025، مع تذبذب حاد بين سنوات الجفاف وسنوات النمو الضعيف، وتعهّدت أيضا بخلق مليون منصب شغل، لكن الواقع كان أقسى: لم يتم إحداث سوى 94 ألف منصب شغل صاف في الأربع سنوات الأولى، بينما ارتفع معدل البطالة إلى 13%، وهو أعلى مستوى له منذ 25 سنة
في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تتغنى بـ«الدولة الاجتماعية»، استمر الغلاء في التهام القدرة الشرائية للأسر، وتفاقمت الفوارق بين خطاب الحماية الاجتماعية وواقع الخدمات العمومية المتدهورة، وقد ركزت الحصيلة على إنجازات شكلية في قطاع التعليم، مثل التوسع في التعليم الأولي ومدارس الريادة، لكنها تجاهلت جوهر الأزمة: تدهور جودة التعليم، واكتظاظ الأقسام، وغياب الرؤية الاستراتيجية للإصلاح
أما في الصحة، فبقيت الإصلاحات حبيسة الشعارات، في حين استنزفت الأسر المغربية ميزانياتها في التطبيب الخاص، وسط نقص حاد في الأطر الطبية والبنية التحتية بالمستشفيات العمومية، وتظهر استطلاعات الرأي الصادرة في 2026، ولا سيما استطلاع «أفروباروميتر»، مؤشرات كارثية على مستوى الثقة في المؤسسات: فلا تتجاوز ثقة الشباب المغربي (18-35 سنة) في البرلمان 37%، وفي رئيس الحكومة 33%، وهي نسبة قريبة من مستوى الثقة في أحزاب المعارضة نفسها
ويتصدر حزب الاستقلال نوايا التصويت بنسبة 4% فقط، في مؤشر على تشتت المشهد الحزبي وارتفاع نسبة العازفين عن التصويت أو غير المحددين، التي تصل إلى نحو 33.8% .. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها صرخة غضب صامتة تعكس شعورا عميقا بالخيانة السياسية، وبأن الطبقة الحاكمة تعيش في عالم مواز بعيد عن هموم المواطنين
كما هو معلوم يتكون الائتلاف الحكومي الذي دبر الشأن العام بين 2021 و2026 من ثلاثة أحزاب رئيسية، كلها مطالَبة اليوم بتقديم حسابها للشعب
أولا- التجمع الوطني للأحرار .. حزب رئيس الحكومة، الذي رفع شعار النمو والاستثمار، لم يترجم هذه الشعارات إلا إلى سياسات ليبرالية جافة، زادت من تركيز الثروة في أيدي قلة، بينما غرق معظم المغاربة في دوامة الغلاء والبطالة، ورغم محاولات الحزب تسويق نفسه كقوة إصلاحية، فإن ارتباط بعض رموزه بملفات تضارب المصالح، وسياساته الاقتصادية التي لم تراعِ البعد الاجتماعي، جعلته في مرمى النقد الشعبي الحاد
ثانيا- حزب الأصالة والمعاصرة .. الحزب الذي ارتبط في الخطاب العام بصورة «حزب الدولة»، لم ينج من سهام النقد، بل كان شريكا كاملا في تدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية الفاشلة .. وفي الوقت الذي حاول فيه الظهور كقوة تحديثية، لم يستطع إخفاء تورطه في سياسات لم تحدث أي فرق حقيقي في حياة المواطنين
ثالثا- حزب الاستقلال .. رغم كونه جزءا من الأغلبية، حاول أحيانا ممارسة خطاب نقدي داخلي، وقد يتصدر نوايا التصويت، لكن هذا لا يخرجه من دائرة المساءلة الشعبية عن الحصيلة المشتركة .. فكيف يمكن لحزب أن يدعي الوطنية والإصلاح وهو شريك كامل في حكومة فشلت في الوفاء بأبسط وعودها ..؟
تشير تحليلات مراكز الدراسات إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة في انتخابات 2026، يأتي في مقدمتها سيناريو «التصويت العقابي» الذي قد يعيد حزب العدالة والتنمية إلى الصدارة إذا نجح في استثمار الغضب الشعبي من الغلاء وملفات تضارب المصالح .. لكن تحقيق هذا السيناريو على نطاق واسع، وبشكل يشمل كل أطراف حكومة أخنوش، رهين بعدة شروط
– يجب أن يترسخ في الوعي الجماعي أن المسؤولية عن الإخفاقات مشتركة، وأن أي تمييز بين «الرئيس» و«الشركاء» هو مجرد مناورة للتهرب من الحساب
– التصويت العقابي لا يعني بالضرورة العودة إلى تجربة سابقة: فقد يختار الناخبون أحزابا جديدة، أو يرفعون منسوب المقاطعة كرسالة عقابية أبلغ من تغيير اللون الحزبي
بعد خمس سنوات من الوعود الكاذبة، والسياسات الاقتصادية الجافة، والتدهور المستمر في الخدمات العمومية، لم يعد من المقبول أن تخرج أحزاب الحكومة الثلاثية من هذا الاستحقاق دون محاسبة .. إن التصويت العقابي في 2026 ليس خيارا، بل ضرورة ديمقراطية لإعادة الاعتبار لمبدأ المساءلة، ولتذكير كل من يطمح إلى تدبير الشأن العام بأن الشعب المغربي ليس مجرد رقم في إحصاءات الحكومة، بل هو صاحب القرار النهائي في صناديق الاقتراع





