أخبارالثقافة و الفن

قصة فلسفية / الرجل الذي يروّض الهواتف

محمد بنداحة/المغرب

في المدينة التي ينام أهلها والهواتف تسهر، كان رجلٌ لا اسم له يمشي في الشوارع عند منتصف الليل، حين تُطفأ المصابيح، وتُغلق النوافذ، وتبقى الشاشات وحدها تضيء كعيون صغيرة لا تنام

كان يعرف سرّاً لم يعرفه أحد: أن الهواتف لا تنام. أنها ترى، وتسمع، وتكتب. وأنه يستطيع أن يدخلها

لم يكن يدخل البيوت من أبوابها. كان يقف في الشارع، أمام النوافذ المضاءة بضوء أزرق خفيف، ويمدّ يده نحو الهواء. فيذوب ليس بجسده، بل بوعيه. يصير ضوءاً، ثم ينزلق عبر موجات لا تُرى، حتى يجد الهاتف، فيلمس الشاشة، ويدخل

في البداية، كان يزور الهواتف ليعرف. لا ليسرق، ولا ليؤذي. فقط ليعرف. كان يرى رسائل لم تُرسل. مكالمات لم تُجرَ. صوراً محفوظة في مجلدات سرية. فيديوهات فاضحة. محادثات كاشفة. كان يرى ما لا يراه أحد: الوجه الحقيقي للناس حين لا يراهم أحد، ثم بدأ يساعد

في إحدى الليالي، دخل هاتف امرأة كانت تكتب رسالة اعتذار لابنتها، ثم تمسحها، ثم تكتبها، ثم تمسحها. كانت لا تجرؤ على الإرسال. فتح الرجل الرسالة. أرسلها. في الصباح، اتصلت البنت بأمها. بكتا معاً

في ليلة أخرى، دخل هاتف رجل كان على وشك أن يخسر صفقة كبيرة بسبب رسالة نسي أن يرسلها. فتح الرجل هاتفه. أرسل الرسالة. في يوم الحسم، ربح الرجل الصفقة

في ليلة ثالثة، دخل هاتف شاب مقبل على الانتحار.  كتب له رسالة مست كيانه، ولم ينتحر.

صارت المدينة تتحدث عن “ملاك الهواتف”. من يصلح ما نكسره في الليل ..؟

من يقرأ رسائلنا، فيرسلها بدلاً منا ..؟

من يسمع مكالماتنا، فيجيب بدلاً عنا ..؟

لكن الرجل لم يكن ملاكاً. كان فقط رجلاً يرى. والرؤية تُتعب. خصوصاً حين ترى ما لا يجب أن ترى.

رأى صديقاً يخون صديقه في رسالة. رأى زوجة تكذب على زوجها. رأى شريكاً يسرق شريكه. رأى جاراً يتآمر على جاره. رأى أباً يهرب من أبنائه. رأى ابناً يتمنى موت أبيه

كان يرى المدينة كلها عارية. ولم يكن يريد أن يرى

في إحدى الليالي، هبّت عليه رياح كريهة في الشوارع. شعر بدوار مفاجئ، واضطر إلى الاتكاء على جدار حتى غاب عنه كل شيء

في اليوم التالي، دخل هاتف رجل كان يكتب رسالة إلى زوجته يخبرها أنه سيتركها. قرأ الرجل الرسالة. لم يمسحها. لم يرسلها. لكنه، في الصباح، اتصل بالزوجة. قال بصوت يشبه صوت زوجها: “أنت طالق. لن أعود”

في ليلة أخرى، دخل هاتف شريكين. قرأ محادثاتهما. كانا يخططان لمشروع. في الصباح، أرسل رسالة من هاتف أحدهما إلى الآخر: “أنا لا أثق بك.” فانفصلا

في ليلة ثالثة، دخل هاتف جارين. قرأ رسائلهما. كانا يتشاجران على جدار. في الصباح، أرسل رسالة صوتية حقيقية إلى أحدهما يسمع فيها جاره يغتابه بكلام بديء، فانفجرت الخصومة

وفي ليلة رابعة، أرسل إلى الصحافة فيديو يوثّق فضيحة سياسية، فانقلبت المدينة رأساً على عقب

صارت المدينة تتحدث عن “شيطان الهواتف”. من يفتح رسائلنا ليلاً، فيخلق بيننا العداوة ..؟

من يقرأ أسرارنا، فيبيعها للريح ..؟

من يدخل هواتفنا، فلا يخرج منها إلا وقد زرع الفتنة ..؟

وفي إحدى الليالي، دخل الرجل هاتفاً لم يعرفه. كان الهاتف لرجل عجوز ينام وحده. قرأ الرجل رسائله. لم يجد شيئاً. لا خيانة، ولا كذب، ولا سر. فقط رسائل من ابنه. رسائل لم تُفتح. مكتوب عليها: “أبي، أنا بخير.”، فأراد أن يغير الرسالة بكلام خبيث. تردد فأغلق الهاتف، ثم جلس في الشارع. لم يعد يريد أن يدخل أي هاتف، لكنه، في الصباح، وجد نفسه داخل هاتف آخر

وفي إحدى الليالي، وهو يطوف بالمدينة، ارتعش هاتفه بجيبه، وأصدر ضوءا أحمر لم يعهده. توصّل برسالة، في هاتفه، لم يعرف مصدرها. مكتوب عليها: “نحن نراك ليل نهار”

تجمد الرجل في مكانه. جلس على الرصيف. تأمّل في تلك الجملة. فجاءت رسالة أخرى. رسالة تقريرية مكتوب عليها بالأحمر:

“لقد توقف عن المشي. إنه مصدوم”، ثم جاءت رسالة ثالثة. لم تكن رسالة. كانت جملة واحدة مكتوب عليها:

“ما زال يظن أنه هو الذي يقرأ»

قرأ الرجل، ثم أغلق هاتفه، ووضعه في جيبه. ومشى دون أن ينظر خلفه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق