أحزاب و نقاباتأخبارالبيانات

النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة: شاركتم في مهرجانات الفوضى، ونحن اخترنا الكرامة

في بيان صادم، لم يتردد في استخدام أقسى العبارات، عادت النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة لتذكر الرأي العام المهني والوطني بحقيقة مُرّة، لطالما حاول البعض تجميلها أو التستر عليها: إن ما جرى يوم استحقاقات المجلس الوطني للصحافة، المقررة في 15 شتنبر 2026 بالدار البيضاء، لم يكن مجرد اختلالات تنظيمية عابرة، بل كان إهانة مباشرة للصحافي المغربي، ولتضحيات أجيال من المهنيين الكبار الذين ناضلوا من أجل صحافة حرة ومستقلة ومحترمة

لم تكن عبارة إهانة مباشرة للصحافي المغربي، التي وردت في بيان النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، مجرد صياغة بلاغية عابرة، بل كانت تشخيصا قاسيا لواقع مرير عاشه الصحافيون المغاربة يوم الثلاثاء 15 شتنبر، حين وجدوا أنفسهم أمام مشهد لا يليق حتى باجتماع فرع محلي لجمعية عادية، فكيف بمؤسسة دستورية يفترض أنها برلمان الصحافة ..؟

القاعة الضيقة التي لا تتسع لأعداد الحاضرين، الفوضى والتدافع، غياب التهوية، نقص المقاعد، انعدام التغطية التقنية، العزلة عن الرأي العام، كل هذه ليست تفاصيل صغيرة، بل هي رسائل مبطنة ترسل للصحافيين: أنتم لستم أولوية، ومؤسساتكم ليست ذات قيمة، وصوتكم لا يسمع إلا حين يراد له أن يسمع

عندما تقول النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة إن ما جرى هو إهانة لتضحيات أجيال من المهنيين الكبار الذين ناضلوا من أجل صحافة حرة ومستقلة ومحترمة، فإنها لا تبالغ .. فالصحافة المغربية مرت بمحطات نضالية صعبة عبر عقود: سنوات الرصاص، سنوات التقييد، سنوات المراقبة، سنوات الابتزاز .. صحافيون اعتقلوا، آخرون فصلوا، كثيرون تعرضوا للتهديد والضرب والمحاكمة، كل ذلك من أجل كرامة المهنة واستقلاليتها

واليوم، حين يدعى هؤلاء الصحافيون، أو من ورثوا مشعلهم، للمشاركة في عرس ديمقراطي لتأسيس مؤسسة دستورية، فيستقبلون في قاعة لا تليق حتى بانتخاب مكتب جمعية الأحياء، فإن الرسالة واضحة: تضحياتكم لم تكن تستحق أكثر من هذا

السؤال الذي تطرحه النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، ويجب أن يطرح على كل من شارك في تنظيم أو الإشراف على هذه الاستحقاقات، هو: كيف يمكن أن ننتخب مجلسا يفترض أن يدافع عن كرامة الصحافي في قاعة تفتقر لأبسط شروط الكرامة ..؟

وكيف يمكن أن نتحدث عن أخلاقيات المهنة وتخليق المشهد ونحن نبدأ بأول لبنة في الفوضى والارتجال ..؟

هذا السؤال ليس تقنيا، بل هو سؤال قيمي وأخلاقي في جوهره، فإذا كنا لا نحترم صحافيينا في لحظة تأسيس أهم مؤسسة تمثيلية لهم، فكيف ننتظر منهم أن يحترموا أنفسهم ..؟

وإذا كنا لا نضمن لهم ظروفا لائقة للتصويت، فكيف نضمن لهم ظروفا لائقة لممارسة مهنتهم ..؟

في هذا السياق، يأتي قرار النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة بالامتناع عن المشاركة في انتخابات المجلس الوطني للصحافة كخيار مبدئي واستراتيجي في آن واحد، لم تكن المقاطعة مجرد عزوف أو استسلام، بل كانت موقفا شجاعا يقول بصوت عال: لن نشارك في مسرحية هزلية تهين كرامة الصحافي المغربي

بينما اختار آخرون الدخول إلى القاعة الضيقة، والتدافع على المقاعد الناقصة، والتصويت في ظروف لا تليق بالمهنة، اختارت النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة أن تبقى في الخارج، رافعة رأسها، قائلة: كرامتنا أغلى من مقعد في مجلس ولد مشوها

حين تربط النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة بين ما جرى وبين ما سمته سابقا بـ. مافيا المشهد، فإنها لا تطلق اتهامات جزافية، بل تشير إلى نمط متكرر من الممارسات التي لطالما شابت تدبير الملف الإعلامي في المغرب: نفس المنطق الذي يتحكم في توزيع الدعم، يتحكم اليوم في اختيار المكان والزمان والطريقة .. نفس العقلية التي تقصي وتهمش، هي التي تنظم وتسير

هذا النمط، في تقدير النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، ليس مجرد سوء تدبير، بل هو خيار استراتيجي يهدف إلى إبقاء الصحافيين في حالة ضعف وهشاشة، حتى يسهل التحكم فيهم وتوجيههم، والقاعة الضيقة، والتهوية الرديئة، والمقاعد الناقصة، كلها رموز لهذا الخيار: أنتم هنا لاستقبال الأوامر، لا لصنع القرار

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل كان من الممكن أن تتغير هذه الصورة لو شاركت النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة في الانتخابات ..؟ الجواب، في تقدير النقابة، هو لا، لأن المشكلة ليست في المقاعد، بل في قواعد اللعبة نفسها، والمشاركة في ظل هذه الشروط كانت ستتحول إلى شرعنة لواقع فاسد، وتحويل النقابة إلى ديكور يغطي على الاختلالات بدلا من فضحها

في مواجهة هذه الإهانة، لا تكتفي النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة بالتشخيص، بل تطرح ثلاثة مطالب واضحة:

* فتح تحقيق حول الجهة التي اختارت مكان الانتخاب وظروف تنظيمه، ومحاسبة كل من تسبب في هذه الفوضى

* يجب تقديم اعتذار رسمي للأسرة الصحافية على هذا الاستهتار، لأن الكرامة جرحت ولا بد من جبر هذا الضرر المعنوي

* التزام علني من أعضاء المجلس المنتخبين بأن تكون أولى قراراتهم هي قطيعة مع منطق الترقيع والعودة إلى هيبة المؤسسات

هذه المطالب ليست تعجيزية، بل هي الحد الأدنى المطلوب لاستعادة شيء من المصداقية المفقودة .. فإذا عجزنا عن ضمان ظروف لائقة لانتخاب المجلس، فكيف ننتظر منه أن يضمن ظروفا لائقة لممارسة المهنة ..؟

في ختام بيانها، تطلق النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة صرخة مدوية: إما صحافة بكرامة، وإما لا صحافة على الإطلاق .. هذه ليست مجرد شعار، بل هي موقف مبدئي يلخص فلسفة النقابة في التعامل مع كل ما يتعلق بالمهنة: لا تقبل بالنصف، لا تقبل بالترقيع، لا تقبل بالإهانة

اليوم، بعد أن انتخب المجلس الوطني للصحافة في قاعة لا تليق حتى بانتخاب مكتب جمعية الأحياء، كما تقول النقابة، فإن الرمز قد دفن قبل أن تولد المؤسسة، وإن كان هذا هو المجلس الذي بشرونا به، فإن الرفض المبدئي هو الخيار الوحيد، كما فعلت النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة حين امتنعت عن المشاركة

المعركة لم تنته بعد، والنضال مستمر، حتى ننتزع مجلسا حقيقيا يولد في قاعة تليق به، وبتاريخ المهنة .. مجلس لا يخضع لوصاية أحد، ولا يخاف من الغربلة، لأن الصحافي المغربي، وتضحيات أجيال من المهنيين الكبار، تستحقان أكثر من قاعة ضيقة، ومن فوضى متعمدة، ومن إهانة مبطنة

عاشت الصحافة حرة، مستقلة، وكريمة.. وعاشت النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة صوتا حرا من الخارج، لا ديكورا صامتا من الداخل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق