
سباق الأحزاب نحو شتنبر 2026 أمام ناخب لن يرحم .. !
في سابقة تثير الدهشة والاستياء معا، تكاد جل الأحزاب السياسية المغربية المرتقب مشاركتها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، والمفترض إجراؤها في شتنبر القادم، أن تكون قد حسمت -إن لم تكن قد حسمت فعلا- في لوائح مرشحيها، وانتهت من صياغة برامجها الانتخابية، وشرعت في التهيئة اللوجستية والتنظيمية، على ذات المنوال المعهود في كل المحطات السابقة .. كل ذلك، دون أدنى مراجعة لمنهجية الانخراط السياسي، رغم ما يشهده العالم من تحولات جذرية في الممارسة الديمقراطية، وفي طبيعة العلاقة بين الناخب والمنتخب .. هذا الإيقاع المتسارع، الذي يشبه سباقا محموما مع الزمن، يفضح ثغرات عميقة في العقل الاستراتيجي الحزبي، ويطرح تساؤلات حارقة حول مدى جاهزية هذه الأحزاب لمواجهة تحديات العصر الرقمي، والتحولات المجتمعية المتسارعة، وناخب جديد لم يعد ينخدع بالخطابة
كما هو معلوم للخاص والعام، منذ استحقاقات 2021، دأبت الأحزاب المغربية على استنساخ النموذج ذاته: حسم التزكيات داخل “المطابخ” الحزبية الضيقة، وصياغة برامج فضفاضة تفتقر إلى الجرأة والابتكار، ثم إطلاق حملات ميدانية تتكئ على قاموس كلاسيكي مستهلك من قبيل “التنمية”، و”العدالة الاجتماعية”، و”محاربة الفساد” .. بالمقابل، أين البرامج الرقمية ..؟ إن اللافت للانتباه هو الغياب شبه التام للبعد الرقمي في اشتغال الأحزاب سنة 2026، حيث بات 80 % من الناخبين الشباب يتشكل وعيهم السياسي عبر “تيك توك” و”إنستغرام”، بينما لا تزال أغلب الأحزاب تخاطبهم بمنشور ورقي وملصق باهت على الجدران
أين المنصات التفاعلية لاستشارة المواطنين في البرامج ..؟
أين توظيف الذكاء الاصطناعي لتحليل أولويات الدوائر الانتخابية ..؟
أين الشفافية في تتبع تنفيذ الوعود رقميا ..؟
أين الديمقراطية الداخلية ..؟

الطامة الكبرى أن الأحزاب التي ترفع شعار الديمقراطية، تمارس أقصى درجات المركزية في اختيار مرشحيها .. التزكيات تمنح على أساس الولاء لا الكفاءة، ويدفع بالشباب والنساء لملء “كوطا” شكلية، بينما تبقى دوائر القرار الحقيقية حكرا على “الأعيان” وأصحاب المال والنفوذ .. فكيف لحزب غير ديمقراطي داخليا أن يعد المغاربة بالديمقراطية .. بصريح العبارة، الناخب الجديد .. قاضٍ لا يرحم .. إذن، على الأحزاب أن تدرك أن ناخب 2026 ليس هو ناخب 2011 .. إنه ناخب متعب، فاقد للثقة .. لكنه، مسلح بهاتف ذكي يفضح في ثوان تناقضات أي مرشح .. ناخب يشاهد بأم عينيه كيف تدار الحملات في العالم: بالشفافية، بالأرقام، بالمحاسبة، بالمناظرات الحقيقية .. لهذا، لن يقتنع بعد اليوم بخيمة منصوبة، و”قصاعي الكسكس”، وخطاب شعبوي أجوف .. صمته ليس رضا، بل ترقب، وعزوفه عن التصويت سيكون هو التصويت الأقوى والأكثر إيلاما
في الختام، يبدو أن الأحزاب المغربية تسابق الزمن .. لكنها، للأسف ربما تسابقه لتكرار الأخطاء ذاتها، متجاهلة تحذيرات النقابات المهنية، وفي مقدمتها النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، ونداءات المجتمع المدني الداعية إلى الانتقال من “ديمقراطية الواجهة” إلى ديمقراطية تشاركية تفاعلية حقيقية
السؤال المعلق بإلحاح: “هل ستنجح هذه الأحزاب في إقناع ناخب متعب ومحبط ..؟”
أم أن هذا الجمود القاتل سيدفع البلاد نحو موجة عزوف جماعي غير مسبوقة ..؟
على أي، فإن استحقاقات شتنبر المقبل لن تكون مجرد محطة روتينية لفرز الخرائط الانتخابية، بل ستكون اختبارا وجوديا لقدرة النظام الحزبي برمته على التجدد أو الاندثار






