أخباركلمة النقابة

النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة: خطاب ملكي يؤسس لمرحلة جديدة ويضع الصحافة أمام مسؤولية مواكبة التحولات

 

استمعت النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة باهتمام بالغ إلى الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، أمام أعضاء مجلسي البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة
نرى في النقابة أن الخطاب يؤطر ملامح المرحلة المقبلة، ويدعو إلى جعل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفا حقيقيا يوازن بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، كما تبرز فيه مسؤولية المؤسسات والفاعلين في تحويل التوجهات إلى برامج عملية ونتائج ملموسة
ويمكن إجمال قراءة النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة في ستة محاور:
أولا- حين يستحضر جلالة الملك من المنبر نفسه، في إشارة إلى خطابه سنة 2014، أن «أغلى إحساس عندي في حياتي هو اعتزازي بمغربيتي»، فإنه يؤكد أن الاعتزاز بالوطن لا يعني التباهي أو الرضا عن الذات، بل يحول الانتماء إلى مسؤولية والثقة إلى واجب وطني
ومن موقعنا كصحافيين، نرى أن من واجب الإعلام المهني إبراز غنى الهوية المغربية وتعدد روافدها، وتعزيز روح المواطنة والاعتزاز بالإنجازات الوطنية، مع التمسك في الوقت نفسه بالنقد المسؤول وكشف الاختلالات، بعيدا عن التبخيس أو التطبيل
ثانيا- دعا الخطاب إلى مواصلة المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، بالتوازي مع إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، فضلا عن تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية .. وهذه رهانات تتطلب منظومة إعلامية قادرة على مواكبة التحولات الرقمية، وإنتاج المعرفة والمحتوى المهني، ومناقشة أثر هذه التحولات في الاقتصاد والمجتمع، فكيف يمكن للإعلام أن يواكب اقتصادا رقميا متطورا، إذا ظل يعاني الهشاشة وضعف الموارد وغياب بيئة تشجع الابتكار ..؟ كما أن دعوة القطاع الخاص إلى الارتقاء بدوره التنموي تقتضي، بالتوازي، تمكين المقاولات الإعلامية الجادة من شروط الاستمرار والتطور
ثالثا- أكد الخطاب ضرورة وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، عبر تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي، ويعزز ثقة الشباب في مستقبلهم وفي مؤسسات وطنهم
وهذه الرسالة تمس قطاع الصحافة مباشرة؛ إذ يواجه كثير من الشباب العاملين فيه تحديات تتعلق بالاستقرار المهني، والحماية الاجتماعية، والولوج إلى فرص العمل والتكوين، ولا يمكن تعزيز ثقة الشباب في المؤسسات إذا لم تصن كرامتهم المهنية، وتتح لهم فرص عادلة قائمة على الكفاءة، بعيدا عن الهشاشة والزبونية
رابعا- شدد الخطاب على أهمية العمل الميداني، والوقوف على مشكلات كل منطقة، وربط التنمية المندمجة بتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج، مع تسريع تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري ونقل الصلاحيات والموارد اللازمة إلى الجهات والأقاليم
وتؤكد النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة أن العدالة المجالية لا تكتمل من دون عدالة إعلامية ..  فالمشهد الإعلامي الوطني يحتاج إلى مقاولات جهوية قادرة على تغطية قضايا السكان ومساءلة السياسات المحلية، وإلى توزيع منصف للدعم العمومي والإشهار، وبرامج تكوين ترفع كفاءة الصحافيين في مختلف جهات المملكة .. إن إعلاما متمركزا في المدن الكبرى لا يستطيع وحده أن يعكس تنوع البلاد أو أن يواكب حاجات جميع مناطقها
خامسا- تناول الخطاب الملكي السامي تدبير ملف الهجرة، مشيرا إلى أن نموذج التعاون الحالي أصبح متجاوزا، ومؤكدا أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، لا ينبغي أن يكونا موضع ضغط أو تهديد أو ابتزاز، كما أعلن عن توجه لإعداد وثيقة استراتيجية جديدة للشركاء، تؤسس لتعاون يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي
وفي هذا الملف، تبرز الحاجة إلى صحافة مغربية مهنية وذات مصداقية، قادرة على تقديم الوقائع في سياقها، ونقل المواقف الوطنية بدقة، ومواجهة التضليل والخطاب المتحيز، مع الالتزام بأخلاقيات المهنة والتوازن في معالجة قضية إنسانية وسياسية معقدة
سادسا- ذكر جلالة الملك أعضاء البرلمان بأن الانتداب البرلماني التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربطهم بالمواطنين، داعيا إياهم إلى الاضطلاع بمسؤولياتهم الوطنية أمام الله والمواطنين والتاريخ
وتأمل النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة أن تشكل هذه الرسالة مدخلا لعمل تشريعي ورقابي جاد، يضع المصلحة العامة في المقام الأول، وينفتح على الهيئات المهنية والنقابية، ويستجيب لانشغالات المجتمع، وفي مقدمتها إصلاح قطاع الصحافة والإعلام
وانطلاقا من هذه القراءة، تؤكد النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة ما يلي:
الدعوة إلى إصلاح تشاركي لمدونة الصحافة والنشر، بما يصون حرية الصحافة ويضمن التوازن بين المسؤولية المهنية والحقوق والحريات
مراجعة المقتضيات التي تثير مخاوف مهنية وحقوقية، بما فيها الغرامات التي قد تكون غير متناسبة، وتعزيز الضمانات القانونية للصحافيين في مواجهة المتابعات التعسفية أو الانتقامية
معالجة وضع المجلس الوطني للصحافة في إطار قانوني واضح، يضمن استقلاليته وشرعيته وتمثيليته المهنية
جعل الدعم العمومي للصحافة شفافا ومنصفا، قائما على معايير معلنة للاستحقاق والكفاءة، لا على الولاء أو المحاباة
دعم المقاولات الإعلامية الجهوية، وتوسيع فرص التكوين والحماية الاجتماعية للصحافيين والعاملين في القطاع
إن الخطاب الملكي السامي يرسم رهانات كبرى للمغرب، من السيادة الاستراتيجية إلى إدماج الشباب، ومن العدالة المجالية إلى تطوير الاقتصاد الرقمي .. وترى النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة أن نجاح هذه الرهانات يحتاج إلى إعلام حر ومهني، يواكب التحولات، وينقل الوقائع، ويسائل السياسات، ويضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار
ومن هنا، فإن إصلاح الصحافة ليس مطلبا فئويا ولا امتيازا للمهنيين، بل شرط لتعزيز الثقة في المؤسسات، وضمان حق المجتمع في المعرفة والمساءلة .. فالطموح إلى مغرب قوي ومتوازن لا يكتمل من دون صحافة قوية ومستقلة ومسؤولة، ولا تتحقق هذه المعادلة بالشعارات، بل بإرادة سياسية وإصلاحات ملموسة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق