
حتى لا تذهب روحا الشابين اللذين رحلا في “غابة 33” سدى..!

في ظهيرة يوم الاثنين 2 نونبر 2026، اهتزت مدينة المحمدية وما جاورها من مناطق بإقليم بنسليمان، على وقع فاجعة إنسانية مروعة، بعد العثور على جثتي شابين داخل «غابة 33»، في الشريط الغابوي الممتد بين المحمدية والمنصورية، لم تكن الواقعة مجرد خبر ينقل في صفحات الحوادث، بل كانت جرحا فتحه العنف في وجدان العائلات والأصدقاء والساكنة، وأعادت إلى الواجهة سؤالا مؤلما: إلى متى ستظل بعض الفضاءات الغابوية والنائية ملاذا للعنف والجريمة ..؟ لم تكن الضحيتان مجرد رقمين في حصيلة إحصائية، ولا مجرد خبر يستهلك ساعات ثم ينسى، كانا شابين من المحمدية، اختفيا قبل أن يعثر عليهما داخل الغابة في ظروف غامضة، فيما أشارت المعطيات الأولية المتداولة إلى احتمال تعرضهما لاعتداء جسدي، وسط أنباء غير مؤكدة حول طبيعة الإصابات، ومع أن التحقيق لم يغلق بعد كل التفاصيل، فإن الصدمة التي خلفتها الواقعة حقيقية، والألم الذي عاشته العائلتان لا يقبل التأجيل ولا التهوين
إن ما حدث في “غابة 33” لا يمكن اختزاله في واقعة أمنية عادية، مهما كانت ملابساتها، فحين يعثر على جثتي شابين داخل فضاء غابوي، وسط شبهات بوجود اعتداء جنائي، فإن المجتمع يواجه اختبارا حقيقيا لقدرته على حماية أبنائه، ولقدرة أجهزته الأمنية والقضائية على كشف الحقيقة ومعاقبة المسؤولين
ولم تتأخر المصالح المختصة في التحرك؛ إذ باشر الدرك الملكي بحثا قضائيا تمهيديا تحت إشراف النيابة العامة، وطوق المكان، وأجرى المعاينات وجمع الأدلة، فيما نقلت الجثتان إلى مستودع الأموات تمهيدا لإخضاعهما للتشريح الطبي وتحديد أسباب الوفاة، كما أفادت تقارير صحفية بأن التحقيقات أسفرت لاحقا عن توقيف أشخاص يشتبه في ارتباطهم بالواقعة، في انتظار ما ستكشفه الأبحاث والاستنطاقات والقرائن التقنية .. لكن، التوقيفات، مهما كانت مهمة، ليست نهاية الطريق .. فالعدالة الحقيقية تبدأ بالكشف الدقيق عن الظروف، وتمتد إلى محاسبة كل من ثبتت إدانته، ولا تتوقف عند حدود مجرد التطمين الإعلامي .. فأسر الضحيتين لا تنتظر كلاما مطمئنا، بل تنتظر الحقيقة والعدل، وضمانا بعدم تكرار المأساة
لم تكن “غابة 33” يوما مجرد مساحة خضراء أو امتداد طبيعي بين مدينتين؛ فقد صارت، بحسب ما تكشفه الواقعة، فضاء يثير تساؤلات جدية حول الرقابة والحماية والوقاية .. فالتباعد الجغرافي، وكثافة الأشجار، وصعوبة الولوج، وتداخل المسارات، تجعل من مثل هذه المناطق بيئة يصعب مراقبتها، وقد يستغلها المجرمون للإفلات من أعين القانون .. وهنا لا بد من طرح السؤال بجرأة: هل يكفي التدخل بعد وقوع الجريمة ..؟ أم أن على السلطات المحلية والأمنية والجماعات الترابية أن تتبنى استراتيجية وقائية دائمة، تشمل إنارة الطرق المؤدية، وتعزيز الدوريات، وتفعيل المراقبة التقنية، وتنظيم الولوج إلى بعض المناطق، ومراقبة الأنشطة المشبوهة داخل المحيط الغابوي ..؟ للعلم، أن الحماية لا تبدأ عندما يعثر على جثة، بل تبدأ عندما يشعر المواطن أن الدولة حاضرة في كل مكان، وأن العنف لا يجد مساحة آمنة لينتشر
بالمناسبة، فقد أعادت هذه الفاجعة إلى الواجهة ملف المخدرات والعنف المرتبط بها، بعدما تداولت بعض المصادر أنباء عن ضبط كميات من مخدر الكيف داخل الغابة، فيما تحدثت تقارير أخرى عن احتمال ارتباط الواقعة بأنشطة ترويج المخدرات بالمنطقة، ومع أن العلاقة بين الأمرين تبقى رهينة نتائج التحقيق، فإن التساؤل مشروع: إلى متى ستظل بعض الفضاءات شبه المهجورة ملاذا لهذه الأنشطة ..؟
إن مكافحة المخدرات ليست مسؤولية أمنية فقط، بل هي معركة مجتمعية شاملة، تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمر عبر الرقابة الأمنية والقضائية، ولا تنتهي عند حدود التوقيفات .. فكل شاب يقع ضحية للعنف أو لإدمان المخدرات هو خسارة لأسرته، وجرح في نسيج المجتمع، وإنذار بأن التأخر في الوقاية يدفع ثمنه الأبرياء
إن أسر الضحيتين، وجميع المغاربة الذين تابعوا الخبر بصدمة، ينتظرون أن تدار العدالة بسرعة وشفافية .. فالتحقيق يجب أن يكشف كل التفاصيل: من كان وراء الواقعة، وما دوافعها، وهل كان هناك إهمال أو تقصير في الرقابة، وهل يمكن اتخاذ إجراءات لمنع تكرار مثل هذه الجرائم في المستقبل، كما ينبغي أن تحرص النيابة العامة على إبلاغ الرأي العام بالنتائج النهائية للتحقيق، دون إغراق في التفاصيل التي قد تمس بكرامة الضحايا أو تعيق سير العدالة .. فالشفافية ليست ترفا إعلاميا، بل هي ضمانة للثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة
العائلتين المتضررتين: إننا لا نطلب هنا مجرد تعاز، بل نطالب بتحول حقيقي .. فالمغرب لا يحتاج إلى أن يبكي بعد كل فاجعة، بل يحتاج إلى أن يتعلم منها، وأن يحول الألم إلى إجراءات، والغضب إلى سياسات وقائية، والدموع إلى عدالة فعلية .. نطالب بتعزيز التواجد الأمني في المناطق الغابوية والنائية، وبتفعيل المراقبة الذكية، وبحملات مستمرة ضد شبكات المخدرات والعنف، وبحماية الشباب من الانزلاق نحو الجريمة، وبتمكين العائلات من أداء دورها الوقائي عبر التربية والوعي والدعم، كما نطالب الإعلام بمسؤولية أكبر في تناول مثل هذه القضايا، فليس الهدف نشر الصور أو استغلال الدم للتفاعل، بل كشف الحقيقة، وحماية كرامة الضحايا، ودفع المجتمع والسلطات إلى التحرك
إن روحي الشابين اللذين رحلا في ظروف مأساوية لا يجب أن تذهبا سدى .. فكل جريمة كهذه يجب أن تكون منعطفا لتقييم السياسات، وتقوية الحماية، ومحاسبة المسؤولين، وضمان ألا يتكرر ما حدث .. فالمغرب أولا يعني أن يحمي أبناءه قبل أن يفقدوا حياتهم، وأن يطارد الجناة قبل أن ينتظروا ضحايا جددا، وأن يبني مجتمعا يرفض العنف بكل أشكاله، وإن أسر الضحيتين تستحق أكثر من التعازي، فهي تستحق عدالة كاملة، وكرامة، وضمانا بأن ما حدث لن يمر دون حساب، لن نسمح أن تذهب روحاهما سدى؛ فالعدالة واجب، والحماية واجب، والوقاية واجب، والذكرى واجب
وجهة نظر النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة
إن القراءة المتأنية لفاجعة “غابة 33” تكشف أننا أمام ظاهرة مركبة، لا يمكن فصلها عن ثلاث اختلالات بنيوية:
أولا- اختلال أمني وقائي .. فالمناطق الغابوية والنائية ظلت لسنوات خارج أولويات التغطية الأمنية الدائمة، تعتمد على التدخل بعد وقوع الحادث بدل الوقاية قبله، وغياب الإنارة، وضعف الدوريات، وانعدام المراقبة التقنية، حول بعض هذه الفضاءات إلى مناطق رمادية يتحرك فيها المجرمون بحرية أكبر من المواطنين
ثانيا- اختلال اجتماعي وتربوي .. فالشباب الذين يجدون أنفسهم في محيط الجريمة أو المخدرات ليسوا مجرمين بالفطرة، بل هم في الغالب ضحايا فراغ قاتل: بطالة، انقطاع مدرسي، غياب التأطير، وضعف البدائل الثقافية والرياضية، وحين يغيب المشروع المجتمعي البديل، يملأ الفراغَ تجار الوهم والعنف
ثالثا- فغابة “33” تقع في منطقة تماس بين جماعات ترابية متعددة، وهذا التداخل الإداري يخلق في كثير من الأحيان فراغا في المسؤولية: كل جهة تنتظر تحرك الأخرى، إلى أن تقع الفاجعة ويبدأ الجميع في تبادل الاتهامات .. لهذا، فإن التحقيق القضائي، مهما كانت نتائجه حاسمة، لن يكون كافيا وحده .. فالحقيقة القضائية تدين الجناة، لكن الحقيقة المجتمعية وحدها هي التي تمنع تكرار الجريمة، والمطلوب اليوم ليس فقط اعتقال المتورطين، بل إطلاق خطة وطنية لحماية الفضاءات الغابوية والنائية، تعتمد على: ربط أمني دائم بين الدرك الملكي والجماعات الترابية والمياه والغابات .. تركيب كاميرات مراقبة ذكية على مداخل الغابات ونقط العبور .. إحداث مراكز شبابية ورياضية قريبة تخرج الشباب من عزلة الغابة إلى فضاءات الحياة .. حملات تحسيسية داخل المؤسسات التعليمية حول مخاطر المخدرات والعنف .. إشراك المجتمع المدني والساكنة في التبليغ والمراقبة المجتمعية
إن فاجعة المحمدية يجب أن تكون نقطة تحول، لا مجرد خبر يتصدر الصفحات لأيام ثم يطوى في أرشيف الحوادث .. فإذا لم نحول هذا الألم إلى قرار، سنكون قد خذلنا الضحيتين مرتين: مرة حين تركناهما وحيدين في الغابة، ومرة حين تركنا قاتليهما يفلتون من درس التاريخ
رحم اللـه الشابين، وألهم ذويهما الصبر والسلوان، والعدالة، كل العدالة، هي وحدها من ستمنحنا حق إغلاق هذا الملف





