
حين تخرج الحكاية من الذاكرة إلى الخشبة «حكايات من بلادي» .. مونودراما تسافر بالحكاية المغربية من المركز إلى المدن

بقلم: عبدالباقي البوجمعاوي
ليست المشكلة في أن تختفي الحكايات، بل في أن يأتي جيل كامل لا يعرف أنه فقدها
في زمن تتسارع فيه أشكال الفرجة، وتتراجع فيه مساحة الحكي التقليدي أمام الشاشة والهاتف والمنصات الرقمية، يعود المسرح إلى واحدة من أقدم وسائل الإنسان في حفظ ذاكرته: الحكاية. من هذا المدخل تواصل فرقة مسرح لبلاد جولتها الوطنية بالعرض المونودرامي «حكايات من بلادي»، بعد محطتي الرباط والدار البيضاء، لتصل إلى جهة طنجة تطوان خلال الفترة الممتدة من 28 شتنبر إلى 03 أكتوبر 2026، عبر ست مدن هي: وزان، الجبهة، مارتيل، الفنيدق، المضيق والعرائش
لكن أهمية هذه الجولة لا تكمن في عدد المدن وحده، بل في الفكرة التي تقف خلفها: إخراج المسرح من جغرافيته المعتادة، وإعادة الحكاية المغربية إلى جمهورها في فضاءات مختلفة
الحكاية الشعبية لم تكن في الثقافة المغربية مجرد تسلية عابرة. كانت وسيلة لنقل التجربة والقيم والذاكرة، وكانت البيوت والحلقات والفضاءات الشعبية مسارحها الأولى. ومن هنا تأتي محاولة «حكايات من بلادي» لاستعادة هذه المادة داخل قالب مسرحي معاصر، لا باعتبارها أثراً من الماضي، وإنما باعتبارها مادة قابلة لإعادة القراءة والتشكيل
يقف عادل محمدات في قلب التجربة مؤلفاً ومشخّصاً ومخرجاً، مستفيداً من خصوصية المونودراما التي تضع ممثلاً واحداً أمام تحدي بناء عالم كامل فوق الخشبة. فالممثل هنا لا يكتفي بتقديم شخصية، بل يتحرك بين الأصوات والشخصيات والمواقف، ويحوّل الحكاية من مادة مروية إلى فعل مسرحي قائم على الحضور المباشر والتفاعل مع الجمهور
وهذا الاختيار ليس تقنياً فقط، فحين تنتقل الحكاية من فضائها التقليدي إلى الخشبة، يطرح المسرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن للموروث أن يعيش في الحاضر دون أن يتحول إلى مجرد صورة فولكلورية عن الماضي ..؟
هنا تحديداً يصبح الرهان الفني أكثر صعوبة. فالتراث لا يحتاج إلى أن يُحفظ فقط، بل يحتاج إلى أن يُعاد التفكير فيه. وإذا كان المسرح قادراً على القيام بذلك، فإن قيمته لا تكون في إعادة إنتاج الماضي، وإنما في وضعه أمام أسئلة الحاضر

واللافت أيضاً أن المونودراما، رغم ظهور ممثل واحد في الواجهة، تكشف عن عمل جماعي واسع خلف الخشبة. يشارك أنس المعوني في إدارة الممثل، وصلاح الدين محمدات في الإنارة، وعبد الباقي البوجمعاوي في التوثيق، ومحسن بن بازة في الملابس، ونعيمة السيد في الموسيقى، ونرجس غضبان في الماكياج، فيما يتولى عبد الرحيم حجاج إدارة الإنتاج، ويشارك منير العزيزي وعبد الكريم بن عامر في العلاقات العامة
هذا التفاصيل تكشف حقيقة كثيراً ما تغيب عن المتلقي: المسرح الفردي لا يُصنع بشكل فردي
الممثل الواحد فوق الخشبة يحتاج إلى منظومة كاملة تحيط به؛ من الإضاءة إلى الموسيقى، ومن الملابس والماكياج إلى الإنتاج والتوثيق والعلاقات العامة. وما يبدو للجمهور لحظة واحدة من الفرجة هو في الحقيقة حصيلة عمل جماعي طويل
ومن هذه الزاوية تصبح الجولة نفسها امتداداً لفكرة العرض
فالحكاية المغربية كانت دائماً حكاية متنقلة. انتقلت عبر الأجيال، وتغيرت باختلاف الرواة والأماكن، واكتسبت في كل مرة شيئاً من البيئة التي وصلت إليها. اليوم تنتقل بالطريقة نفسها، لكن من خلال المسرح: من الرباط والدار البيضاء إلى وزان والجبهة ومارتيل والفنيدق والمضيق والعرائش
إن انتقال العرض بين هذه المدن لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره برنامجاً للجولة، بل باعتباره اختياراً ثقافياً له دلالته
المسرح لا ينبغي أن يكون امتيازاً جغرافياً
وإذا كانت المراكز الكبرى تستحوذ غالباً على الجزء الأكبر من النشاط المسرحي، فإن الوصول إلى مدن أخرى يعيد طرح سؤال الحق في الثقافة، ويمنح الجمهور خارج المراكز التقليدية فرصة استقبال الإنتاج المسرحي الوطني والتفاعل معه
ومن هنا تكتسب الجولة، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، بعداً يتجاوز العرض نفسه، لأنها تساهم في توسيع دائرة حضور المسرح داخل المشهد الثقافي الوطني
لكن نجاح التجربة لا يقاس بعدد العروض أو المدن التي مرت بها
السؤال الأهم هو: هل تستطيع الحكاية أن تصل إلى المتفرج المعاصر ..؟
إذا خرج المتلقي من القاعة وهو يرى في الحكاية شيئاً من طفولته، أو يتذكر صوتاً من أصوات البيت القديم، أو يعيد النظر في علاقة الإنسان المغربي بذاكرته، فإن العرض يكون قد تجاوز حدود الفرجة

وهنا يصبح المسرح أكثر من مجرد عرض
يصبح وسيلة لاستعادة ما كاد أن يضيع
«حكايات من بلادي» لا تقدم الماضي بوصفه زمناً يجب العودة إليه، ولا تتعامل معه كقطعة محفوظة في متحف. قيمتها الحقيقية ستكون في قدرتها على جعله قابلاً للكلام داخل الحاضر
فالتراث الذي لا يدخل في حوار مع زمنه يتحول إلى مادة جامدة
أما حين يدخل الخشبة، ويُعاد تشكيله بالجسد والصوت والضوء والموسيقى، فإنه يحصل على فرصة جديدة للحياة.
لهذا فإن رحلة «حكايات من بلادي» نحو الشمال ليست مجرد سفر لعرض مسرحي
إنها سفر للحكاية نفسها
من مدينة إلى أخرى، ومن جمهور إلى آخر، ومن ذاكرة إلى ذاكرة
وقد تكون هذه هي المهمة الأصعب التي يمكن أن يضطلع بها المسرح اليوم: ألا يسمح للحكاية بأن تموت بصمت
فالحكاية المغربية لم تكن يوماً ملكاً للماضي
إنها ذاكرة الحاضر أيضاً، وكلما وجدت خشبة قادرة على الإصغاء إليها، وجمهوراً مستعداً لسماعها، بدأت من جديد





