أخبارالصحة

أموال عمومية وجمعية وأطباء جدد .. فهل المشكلة في الموارد أم في الحكامة الصحية ..؟

ذ. يوسف الإدريــسي

تضع الدورة العادية لشهر أكتوبر 2026 على طاولة منتخبي إقليم اليوسفية اتفاقية شراكة تبدو في ظاهرها خطوة مهمة لتعزيز العرض الصحي بالإقليم، من خلال استقطاب موارد بشرية طبية جديدة

الاتفاقية كما جاء في نص ديباجتها، ترصد غلافا ماليا إجماليا يقارب 11.6 مليون درهم أي مليار و160 مليون سنتيم على مدى ثلاث سنوات، بمساهمة من وزارة الصحة والمجلس الإقليمي والجماعات الترابية، وينضاف هذا الغلاف إلى اعتمادات سابقة .. أما جماعة اليوسفية فستساهم بحوالي 22 مليون سنتيم سنويا تحول إلى حساب جمعية تعنى بالشأن الصحي

صحيح، أن الهدف المعلن هو استقطاب 18 طبيبا عاما وأربعة أطباء متخصصين في أمراض الكلى وطب النساء والتوليد، وهذا دون شك يستحق التثمين والتنويه، كما يستحق أيضا النقاش وطرح السؤال

فعلى الورق تبدو المعادلة واضحة؛ موارد مالية جديدة، أطباء جدد، وتوسيع للعرض الصحي. لكن المستشفى الإقليمي باليوسفية يفرض سؤالا آخر أكثر إلحاحا؛ هل تكمن المشكلة فعلا في عدد الأطباء، أم إن جزءا من الأزمة مرتبط أيضا بطريقة تدبير الموارد والتجهيزات وبيئة العمل ..؟

هذا السؤال يكتسب راهنيته من حالة الاحتقان التي يعيشها المستشفى الإقليمي هذه الأيام، في ظل صيغ احتجاجية خاضتها أطر صحية وتمريضية، رفعت خلالها مطالب مرتبطة بظروف العمل وطريقة التدبير الإداري

المفارقة هنا أن الإقليم يستعد لضخ ملايين الدراهم لاستقطاب كفاءات طبية جديدة، بينما يثير المهنيون الموجودون أصلا بالمؤسسة، أسئلة حول آليات التتبع والمراقبة والمساءلة. وتبرز ضمن الشكاوى المتداولة، انتقادات بشأن انتظام حضور بعض الأطباء، وهي نقطة يفترض أن تجيب عنها الإدارة من خلال معطيات دقيقة حول الحضور والمداومة وتتبع الالتزامات المهنية ..  فاستقدام طبيب جديد قد يحل مشكلة الخصاص، لكنه حتما لن يحل تلقائيا مشكلة الحكامة

والأمر نفسه ينطبق على التجهيزات. فالمهنيون المحتجون تطرقوا في مداخلاتهم إلى استمرار تعطل بعض المعدات، من بينها جهاز (الماموغراف)، إلى جانب حديثهم عن خصاص في بعض المستلزمات الأساسية داخل أقسام حساسة كالمستعجلات والإنعاش. وإذا تأكدت هذه المعطيات ميدانيا، فإن السؤال يصبح مشروعا؛ ما جدوى استقطاب طبيب متخصص بأموال عمومية إذا كانت البيئة التقنية واللوجستيكية التي يفترض أن يشتغل داخلها لا توفر له دائما شروط ممارسة تخصصه ..؟

بمعنى آخر، أن الطبيب وحده لا يصنع منظومة صحية، بينما المنظومة هي التي تحتاج ابتداء إلى طبيب وممرض وتقني  وتجهيز وأدوية ومستلزمات ونظام للمداومة ثم تحتاج إلى مسؤولية واضحة، وآليات للتتبع والتقييم، وإدارة قادرة على خلق مناخ مهني يسمح لكل هذه العناصر بالاشتغال في اتجاه واحد

باختصار شديد، أقول بأن اتفاقية أكتوبر لا ينبغي أن تقرأ فقط باعتبارها عملية مالية ستضخ مليار و160 مليون سنتيم خلال ثلاث سنوات، وإنما باعتبارها مناسبة لفتح نقاش أوسع حول النموذج الصحي الذي يريده الإقليم وتريده ساكنة الإقليم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق