

يحل يوم 31 أكتوبر من كل سنة، منذ إقراره رسميا، ليكون عيد الوحدة، مناسبة وطنية جديدة في تقويم المغرب، تحمل دلالات تتجاوز الاحتفال والذكرى، لتصل إلى عمق الوعي الوطني والهوية الجمعية والانتماء إلى تراب واحد ومصير واحد
وقد أقر جلالة الملك محمد السادس هذا العيد بموجب القرار الملكي المعلن في 4 نونبر 2025، ليخلد التحول التاريخي الذي شهدته قضية الصحراء المغربية، وتجسيد وحدة الأمة وتلاحم العرش والشعب حول الثوابت والمصالح العليا للمملكة
وهكذا، فإن عيد الوحدة ليس مجرد إضافة إلى قائمة الأعياد الوطنية، بل هو رسالة إلى الأجيال مفادها أن وحدة المغرب ليست ملفا سياسيا فقط، بل هي قيمة تاريخية وإنسانية وتنموية، تبنى كل يوم بالعمل والولاء والانتماء
لا يمكن فهم عيد الوحدة دون الرجوع إلى المسار التاريخي الطويل الذي خاضه المغرب من أجل استكمال وحدته الترابية، فبعد استرجاع الاستقلال سنة 1956، ظلت قضية الصحراء المغربية معلقة، قبل أن تشكل المسيرة الخضراء منعطفا حاسما في هذا المسار
وفي 6 نونبر 1975، انطلقت المسيرة الخضراء المظفرة استجابة لنداء الملك الراحل الحسن الثاني قدس اللـه روحه، بمشاركة نحو 350 ألف مغربي ومغربية، في مسيرة سلمية نحو الأقاليم الجنوبية، حاملين المصاحف والأعلام الوطنية، في تعبير فريد عن الإرادة السلمية والوحدة الوطنية
وقد جاءت هذه المسيرة لتؤكد أمام العالم أن المغاربة موحدون في دفاعهم عن ترابهم، وأن قضية الصحراء ليست قضية حكومة أو حزب، بل هي قضية أمة بأكملها .. وبتاريخ 28 فبراير 1976، انتهى الوجود الإسباني في الأقاليم الجنوبية، قبل أن يسترجع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979، لتكتمل بذلك مرحلة أساسية في مسار استكمال الوحدة الترابية
تبقى المسيرة الخضراء المظفرة واحدة من أبرز التجارب الوطنية في التاريخ المغربي الحديث، ليس فقط لأنها أسهمت في استرجاع الأقاليم الجنوبية، بل لأنها قدمت للعالم نموذجا فريدا في الكفاح السلمي، فلم يكن المشاركون فيها يحملون السلاح، بل حملوا القرآن الكريم والأعلام الوطنية وصور الملك، في رسالة واضحة مفادها أن الحق لا يحتاج إلى العنف ليفرض نفسه، وأن الإرادة الشعبية الموحدة قادرة على تغيير مسار التاريخ، وهذه الروح هي نفسها التي يسعى عيد الوحدة إلى ترسيخها: أن الوحدة ليست إنجازا يحتفى به مرة واحدة، بل هي مسؤولية متجددة تنتقل من جيل إلى جيل
لم تتوقف قيمة المسيرة الخضراء عند لحظة الاسترجاع، بل تحولت إلى نقطة انطلاق لورش تنموي واسع في الأقاليم الجنوبية .. فالمدن الصحراوية شهدت خلال العقود الأخيرة مشاريع كبرى في البنية التحتية، والطاقة، والموانئ، والتعليم، والصحة، والنقل، والاستثمار، وقد أصبحت هذه الأقاليم جزءا فاعلا في الاقتصاد الوطني، وفي الاستراتيجية الإفريقية للمغرب، سواء من خلال ميناء الداخلة، أو مشاريع الطاقات المتجددة، أو الربط اللوجستي مع دول غرب إفريقيا .. وبذلك، تتحول الوحدة الترابية من شعار سياسي إلى واقع تنموي ملموس يخدم ساكنة المنطقة والمغرب بأكمله .. نعم، إن عيد الوحدة يذكر بأن السيادة لا تكتمل بالرمز فقط، بل تحتاج إلى تنمية عادلة، وفرص شغل، وخدمات عمومية، وحياة كريمة لساكنة الأقاليم الجنوبية
إن عيد الوحدة لا يحتفي فقط بوحدة التراب، بل يحتفي أيضا بوحدة القيم والهوية والمصير .. فالمغرب بلد يتشكل من تنوعه الجغرافي والثقافي واللغوي، لكنه يجتمع حول مرجعيات وطنية ثابتة، وفي مقدمتها الوحدة الترابية، والملكية، والانتماء إلى قيم إسلامية وعربية وأمازيغية وإفريقية متكاملة .. ولهذا، فإن الوحدة ليست مفهوما جغرافيا فقط، بل هي أيضا وحدة اجتماعية وثقافية وسياسية، فهي تعني أن المواطن في الشمال والجنوب، في المدينة والقرية، في السهل والجبل والصحراء، يشترك في نفس الوطن، ونفس الحقوق، ونفس المسؤولية تجاه المستقبل
تكتسب الذكرى الأولى لعيد الوحدة، التي يحتفل بها المغرب يوم 31 أكتوبر 2026، رمزية إضافية في ظل التحولات الكبيرة التي عرفتها قضية الصحراء المغربية على المستوى الدبلوماسي والدولي، فقد أصبح المغرب أكثر قدرة على ترسيخ موقفه الدولي، وتحويل دعمه المتنامي إلى شراكات اقتصادية وتنموية مع دول إفريقية وعربية ودولية، كما تتزامن هذه المناسبة مع الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، والذكرى السبعين لاستقلال المغرب، بما يتيح قراءة شاملة للمسار الوطني: من استعادة الاستقلال، إلى استكمال الوحدة الترابية، ثم إلى بناء موقع إقليمي وإفريقي متجدد
إن الاحتفال بعيد الوحدة لا يعني فقط رفع الأعلام وترديد الشعارات وتنظيم الفعاليات الفولكلورية، بل يعني ترجمة قيمة الوحدة إلى سلوك يومي وممارسة ملموسة .. فالوحدة الحقيقية لا تبنى بالخطب، بل تبنى بالعدالة الاجتماعية التي تنصف المظلوم، وتكافؤ الفرص الذي يكسر منطق الريع، واحترام التنوع الذي هو سر قوة المغرب، وحماية الكرامة التي لا مساومة عليها، وتقليص الفوارق الصارخة بين الجهات، كما تبنى بالتعليم الذي يغرس الوعي الوطني الحقيقي، لا ثقافة الخنوع، وبالثقافة التي تحفظ الذاكرة الجمعية من التزوير، وبالإعلام المسؤول، لا إعلام التفاهة والاسترزاق، الإعلام الذي يحمي الحقيقة من التضليل، ويحمي الوطن من سماسرة الكذب وتجار الوهم، الإعلام الذي يقول لا في وجه من يريد تزييف وعي المغاربة، الإعلام الذي لا يبيع قلمه في سوق النخاسة، بل يجعل من الكلمة سلاحا للدفاع عن وحدة الوطن، لا معولا لهدمها، وبالتنمية الحقيقية التي تجعل كل مواطن، من طنجة إلى الكويرة، يشعر بأنه شريك كامل في الوطن، لا مجرد متفرج على مساره .. إن عيد الوحدة هو دعوة متجددة للمغاربة إلى التذكير بأن ما تحقق من مكاسب سيادية وتنموية لم يكن هدية، بل ثمرة تضحيات وإرادة وتضامن بين العرش والشعب
فمن المسيرة الخضراء إلى عيد الوحدة، يبقى المغرب واحد، وترابه واحد، وشعبه واحد، ومصيره واحد، وكل جيل جديد عليه أن يحمل هذه الرسالة، لا كذاكرة تستعاد في المناسبات فقط، بل كالتزام يومي ببناء وطن أقوى وأكثر عدلا وتنمية وكرامة .. وما دامت الوحدة هي الأساس، فسيبقى المغرب قادرا على مواجهة التحديات، وحماية مكاسبه، وبناء مستقبله بصوت واحد وإرادة واحدة





