
هذا هو إقليم اليوسفية الذي تفر منه ساكنته رغم المشاريع الصناعية العملاقة المرتقبة
المنطقة الصناعية لمزيندة
ذ. يوسف الإدريـــــسي
لا أخفيكم سرا أنني صدمت وأنا أطلع على الأرقام الأخيرة للمندوبية السامية للتخطيط المضمنة في تقرير 2024، كون إقليم اليوسفية خسر 6423 نسمة خلال عشر سنوات، ليتراجع عدد السكان من 251943 نسمة سنة 2014 إلى 245520 نسمة سنة 2024. في الوقت الذي كان من الطبيعي أن يشهد الإقليم نموا سكانيا بفعل عامل الولادات، ومؤشر الاستقطاب الناتج عن استراتيجية تنزيل المشاريع الصناعية، إذا بنا اليوم أمام نزيف سكاني لا يمكن تفسيره إلا بغياب رؤية واضحة للتنمية العمرانية والاجتماعية
من وجهة نظري، السبب الجوهري وراء كل ذلك، يكمن في غياب التناغم بين المشاريع الصناعية والتوزيع العمراني المطلوب
نعم، هناك مشروع كيميائي ضخم (MPH) قرب لمزيندة، وثلاث مناطق صناعية كبرى تمتد على 770 هكتار، وقد تطرقت إلى ذلك في مقالات سابقة .. لكن، هذه الأوراش، مهما بلغت ضخامتها وأهميتها، تبقى مجرد جزر صناعية، إذا لم تواكبها سياسة عمرانية وسكنية ومجالية قادرة على احتضان العنصر البشري الذي يفترض أن تستقطبه هذه المشاريع
أكثر ما يقلقني هو أن 20.5 بالمائة من الأسر تعيش في بوثقة الكراء الشهري، بينما أكثر من نصف السكن متقادم (بين 20 و49 سنة)، بحسب التقرير الإحصائي ذاته .. فكيف إذن، يمكن لشاب يبحث عن الاستقرار أن يبني مستقبله في بيئة عمرانية شبه جامدة ..؟! أليست هذه الأرقام كافية لتفسير لماذا يهاجر أبناء الإقليم نحو مدن أخرى، مثل مراكش والبيضاء وطنجة ..؟ فوق كل ذلك، ما الذي يحتاجه فعلا شباب الإقليم ليستقر في أرضه وترابه!..؟
برأيي، لا يكفي أن نرفع شعار (التنمية الصناعية) لنطمئن ويطمئن معنا المسؤولون عن الإقليم، بل الاستثمار في المصانع والمناطق الصناعية يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع إعداد حقيقي لمخطط توجيهي عمراني، يفتح المجال لتوسيع النسيج الترابي وتوسيع المجال الحضري، مع العمل على تحفيز الاستثمار العقاري لتوفير السكن اللائق للشباب المحلي وأيضا للأفاقيين من المدن الأخرى، ثم إن الحكامة بمفهومها الواقعي تقتضي ربط المشاريع الاقتصادية بالسياسات الاجتماعية، لأن العامل يحتاج إلى مسكن ومدرسة ومستشفى ونواة جامعية ومعاهد تكوين ومنتزهات ترفيهية، تماما بقدر حاجته إلى عمل
مرة أخرى أعود وأقول؛ إن إقليم اليوسفية يقف أمام امتحان صعب .. فإما أن يتحول إلى قطب اقتصادي عمراني متوازن يستقطب ساكنته من جديد، أو يظل مجرد فضاء طارد للسكان رغم المشاريع الكبرى التي تقام على أرضه .. والكرة الآن في ملعب المسؤولين عن الإقليم من المنتخبين والفاعلين الترابيين داخل أجهزة السلطات الإقليمية