
ردا على دعاة الوصاية: استقلال النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة ليس عزلة، بل التزام بأخلاقيات المهنة وكرامة الصحافي ..!

في زمن يشتد فيه الخناق على الصحافة المغربية، بين تكميم الأفواه وتجفيف منابع الحرية الصارخة، يجد البعض الوقت لانتقاد النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، ليتهموها باختيار الاستقلال على التبعية، ورفضها أن يرهن قرارها النقابي بأجندات عابرة للحدود، أو ما يسمى “الانخراط في الاتحادات الدولية للصحافة”
هؤلاء المنتقدون المتحاملون، الذين ينتمون غالبا إلى تيارات مهنية أخرى أو يتحدثون باسم مصالح خارجية، يصورون هذا الرفض كعزلة متعمدة أو تخلف عن ركب العصر .. لكن، الحقيقة أعمق وأكثر تعقيدا؛ فالسؤال ليس عن انغلاقنا على أنفسنا، بل عن سبب عدم سعي هذه الاتحادات الدولية -التي تتباهى بمبادئ الديمقراطية والانفتاح- إلى الانخراط الحقيقي في النقابات المهنية المغربية .. حقا، إنها “عقدة الأجنبي” القديمة التي تعيد إنتاج نفسها في عالم الإعلام .. الاعتقاد بأن الوصفات الغربية أو الدولية هي السبيل الوحيد للتقدم، دون مراعاة السياقات المحلية والتحديات الفريدة
دعونا نعد إلى جذور هذه “العقدة” .. في المغرب، حيث يدار الإعلام في ظل توازنات سياسية دقيقة، أسست النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة نفسها كصوت مستقل يدافع عن حقوق المهنيين دون تبعية لأي جهة داخلية أو خارجية، و إن رفض الانضمام إلى اتحادات مثل الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ) أو غيرها ليس تمردا عشوائيا، بل قرار استراتيجي ينبع من تجارب مريرة
للإشارة، هذه الاتحادات، رغم شعاراتها النبيلة، غالبا ما تفرض شروطا تتعارض مع الواقع المغربي .. تمويلات مشروطة .. برامج تدريبية تروج لأجندات سياسية، أو حتى تدخلات غير مباشرة في الشؤون الداخلية للنقابات المحلية .. فلماذا لا يسأل المنتقدون هذه الاتحادات: لماذا لا تنضم إلى نقاباتنا المغربية، وتتعلم من خبراتنا في مواجهة القوانين المقيدة للحريات، وتشارك في بناء تحالف محلي قوي قبل أن يطالبون بانضمامنا إليها ..؟
إن عقدة الأجنبي ليست جديدة على المغرب .. فمنذ عهد الحماية الاستعمارية، اعتدنا على “الوصفات الجاهزة” من الخارج، سواء في الاقتصاد أو السياسة أو الفن أو الإعلام .. اليوم، تتجلى هذه العقدة في الانتقادات الموجهة للنقابة المستقلة للصحافيين المغاربة من قبل “بعض المتنطعين”، حيث يقال إن عدم الانضمام إلى الاتحادات الدولية يعني فقدان الدعم الدولي .. لكن، دعونا نفكك هذا الادعاء:
أولا – الدعم الدولي لم يكن يوما مضمونا؛ فالاتحادات الكبرى غالبا ما تتجاهل قضايا الصحافيين المغاربة عندما لا تتناسب مع أجنداتها الجيوسياسية
ثانيا – النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة نجحت في بناء تحالفات محلية قوية، بفضل مناضلاتها ومناضليها الأوفياء الطموحين، مما مكنها من إصدار بيانات مؤثرة وتنظيم احتجاجات ناجحة ضد قوانين مثيرة للجدل، كمشروع قانون الصحافة والنشر، والمجلس الوطني للصحافة وغيرها كثير
للتذكير، في السنوات الأخيرة، شهد المغرب حملات اعتقال طالت العديد من الصحافيين .. فأين كانت هذه الاتحادات الدولية ..؟ بياناتها الرسمية تأتي متأخرة وغير ملزمة، بينما كانت النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة في الصفوف الأمامية، تتابع القضايا أمام المحاكم وتؤازر المعتقلين ميدانيا
بعبارة صريحة، إن الانخراط في هذه الاتحادات قد يعني فقدان الاستقلالية، حيث تفرض صيغ بيانات موحدة لا تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية والسياسية المغربية .. فلماذا لا تبدي هذه الاتحادات اهتماما حقيقيا بالانضمام إلى هيكلنا النقابي، بدلا من معاملتنا كـ”تابعين” ..؟
النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة ليست معزولة؛ إنها منفتحة على التعاون الانتقائي .. فقد شاركت في مؤتمرات إقليمية ووطنية عدة، وقدمت تقارير إلى منظمات حقوقية .. لكن، دون التخلي عن سيادتها .. هذا النهج يحمي الصحافيين من “التدخل الأجنبي” الذي قد تستخدمه السلطات كذريعة لتصفية النقابات المستقلة
تخيلوا لو انضمت النقابة إلى اتحاد دولي ممول جزئيا من جهات غربية فورا سيتهم أعضاؤها بـ”العمالة”، مما سيضعف مصداقيتها واستقلاليتها أمام الزملاء والرأي العام
في الواقع، بنت النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة قاعدة صلبة من خلال الدفاع عن العديد من الصحافيين في قضايا يومية، من تأمين عقود عمل إلى مواجهة الرقابة الرقمية .. هذا الاستقلال هو مصدر قوتنا، لا ضعفنا .. أمام هذا الواقع، يجب على المنتقدين أن يعيدوا النظر في حججهم ويعلموا أن النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة لا ترفض “الدولي”؛ إنها ترفض التبعية .. لهذا، ندعو المنتقدين – “كارين حنكهم”- إلى مطالبة الاتحادات الدولية بالانضمام إلينا، لتشارك في معاركنا اليومية ضد الاستبداد الإعلامي، وتتعلم من صمودنا .. عندها فقط، سنبني تحالفا حقيقيا، خاليا من عقدة الأجنبي، لأن الصحافة المغربية ليست بحاجة إلى وصاية، بل إلى شركاء يحترمون خصوصيتها
تصبحون على خير أيها المنتقدون ..!





