
كلنا في سراح مؤقت .. الطالبي العلمي يُزحزح الستار
هل اعترف رئيس مجلس النواب بأن لا أحد في مأمن ..؟

لم تكن عبارة «كلنا في سراح مؤقت»، التي نُسبت إلى رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي، مجرد كلمة عابرة قيلت في سياق خاص، بل كانت تصريحا زلزاليا هزّ أركان الطبقة السياسية المغربية، وأعاد إلى الواجهة أسئلة مصيرية حول طبيعة السلطة، وحدود الأمان السياسي، ومن يملك حق الحماية في مغرب 2026
حسب ما كشفه محامي البرلماني السابق المعتقل رشيد الفايق، محمد حاسي، في ندوة صحفية مثيرة، فإن العبارة الشهيرة قيلت خلال اجتماع عُقد داخل مكتب بمجلس النواب، جمع الفايق بكل من رئيس المجلس راشيد الطالبي العلمي، والوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان مصطفى بايتاس، ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار الحالي محمد شوكي
وفي هذا السياق، وبحسب رواية الدفاع، فإن الطالبي العلمي خاطب الفايق بعبارة «نحن جميعا في سراح مؤقت في هذه البلاد»، محاولا، وفق الرواية نفسها، إقناعه بالاستقالة من مجلس جهة فاس-مكناس والانحناء للعاصفة، في إشارة ضمنية إلى أن لا أحد في مأمن، وأن الجميع معرض للمحاسبة أو السقوط في أي لحظة
العبارة، رغم بساطتها اللفظية، تحمل في طياتها اعترافا ضمنيا خطيرا: أن لا أحد في الطبقة السياسية المغربية في مأمن حقيقي، وأن الحرية أو المنصب أو الحصانة كلها أمور مؤقتة وقابلة للزوال في أي لحظة
إذا صحت هذه الرواية، فإن رئيس مجلس النواب، وهو يشغل أحد أرفع المناصب الدستورية في البلاد، يعترف ضمنا بأن النظام السياسي المغربي لا يضمن الحماية الدائمة لأحد، وأن «السراح المؤقت» هو المصير المشترك للجميع، من أصغر برلماني إلى أعلى مسؤول في الدولة
هذا الاعتراف، إن صح، يضع المغاربة أمام أسئلة صعبة: من يملك حق منح «السراح» ..؟
ومن يقرر متى ينتهي هذا «المؤقت» ..؟
وهل هناك فعلا سيادة للقانون، أم أن الأمر مجرد لعبة محسومة النتائج سلفا ..؟
للإشارة، رشيد الفايق، البرلماني السابق عن دائرة فاس، معتقل منذ أشهر في قضية مثيرة للجدل، يُتهم فيها بتهم تتعلق بالابتزاز والتهديد، ودفاعه يصر على أن الاعتقال له خلفية سياسية، وأن موكله كان ضحية «تصفية حسابات» داخل حزبه وخارجه
وفي هذا الإطار، تأتي محاولة إقناعه بالاستقالة من مجلس الجهة، وفق رواية محاميه، كجزء من ضغوط سياسية تهدف إلى إخراجه من المشهد تماما، وعبارة «السراح المؤقت»، في هذا السياق، ليست مجرد نصح أو توجيه، بل هي تلميح واضح بأن المقاومة قد تكون مكلفة، وأن الاستسلام قد يكون الخيار الأقل خسارة
حتى لحظة إعداد هذا المقال، لم يصدر أي رد رسمي من رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، لا بنفي ولا بتأكيد، حول صحة نسب هذه العبارة إليه، وهذا الصمت، في حد ذاته، يُقرأ كرسالة ضمنية: إما أن العبارة قيلت فعلا ولا يريد الرئيس الدخول في جدال علني، أو أنها لم تُقال لكنه يفضل ترك الملف للقضاء بدلا من الدخول في معركة إعلامية قد تزيد من حدة الجدل
في المقابل، وفي خضم هذا الزلزال السياسي، تبرز عدة أسئلة مصيرية:
هل اعترف رئيس النواب فعلا بأن لا أحد في الطبقة السياسية في مأمن ..؟
هل «السراح المؤقت» هو مصير كل من يخالف الحسابات السياسية السائدة ..؟
من يملك حق منح «السراح» ..؟
ومن يقرر متى ينتهي هذا «المؤقت» ..؟
هل هذه العبارة بداية لكشف ملفات أخرى، أم أنها ستُطوى كما طُويت ملفات سابقة ..؟
ماذا يعني هذا للمواطن العادي الذي يعتقد أن هناك سيادة للقانون واستقلالية للقضاء ..؟
العبارة، إن صحت، تكشف عن شيء أعمق من مجرد اعتراف بضعف الحماية السياسية: هي اعتراف بأن النظام نفسه يخاف من نفسه، فإذا كان رئيس مجلس النواب، وهو في قمة الهرم التشريعي، يقول إن الجميع في «سراح مؤقت»، فهذا يعني أن لا ثقة حقيقية بين مكونات النظام، وأن كل طرف يعتقد أنه قد يكون الضحية التالية
هذا الخوف المتبادل، وهذه الهشة الضمنية، هي ما يجعل العبارة خطيرة إلى هذا الحد، فهي لا تتحدث فقط عن الفايق، أو عن «الأحرار»، أو عن فاس، بل تتحدث عن نظام سياسي يعيش في حالة توتر دائم، حيث لا أحد يثق بأحد، وحيث «السراح» دائما «مؤقت»
«كلنا في سراح مؤقت» .. عبارة قد تكون قصيرة لفظا، لكنها طويلة الدلالات وهي، إن صحت نسبتها إلى رئيس مجلس النواب، تُعد واحدة من أخطر التصريحات التي قيلت في المغرب منذ سنوات، لأنها تكشف عن واقع مرير: أن لا أحد في مأمن، وأن الجميع تحت الرحمة
وفي الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام المغربي ردا رسميا من الطالبي العلمي، تبقى العبارة معلقة في الفضاء السياسي المغربي، كسؤال كبير: هل اعترف رئيس مجلس النواب بأن النظام كله في «سراح مؤقت» ..؟
وإن كان كذلك، فمن يملك حق تحويل هذا «المؤقت» إلى «دائم» ..؟





