
الحجاب يتحول إلى ورقة انتخابية في فرنسا مع اقتراب رئاسيات 2027

باريس – عبد الرحيم مالكي
مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المرتقبة سنة 2027، بدأ ملف الحجاب يعود بقوة إلى واجهة النقاش السياسي، بعدما اختار عدد من المرشحين تبني مواقف أكثر تشدداً بشأن ارتداء الحجاب، في خطوة تفتح من جديد جدلاً واسعاً حول العلمانية والحريات الفردية ومكانة المسلمين داخل المجتمع الفرنسي
وفي مقدمة الداعين إلى تشديد القيود، تأتي مارين لوبان، التي جعلت من منع الحجاب في الفضاء العام أحد أبرز مقترحاتها السياسية، في حال وصولها إلى قصر الإليزيه. كما طُرحت فكرة اللجوء إلى استفتاء شعبي لتمرير إجراءات بهذا الحجم، وهو ما يجعل القضية تتجاوز مجرد نقاش حول لباس ديني لتتحول إلى أحد الملفات السياسية الحساسة في المعركة الانتخابية المقبلة
ولم يبق النقاش محصوراً في صفوف التجمع الوطني، إذ تبنى برونو ريتايو، مرشح حزب الجمهوريين، موقفاً أكثر تشدداً من الحجاب في عدد من المجالات، خصوصاً داخل الجامعات وبعض الأنشطة الرياضية والرحلات المدرسية
من العلمانية إلى معركة انتخابية
تستند الأحزاب المؤيدة لهذه القيود إلى مبدأ العلمانية الفرنسية، وتقول إن الهدف هو حماية مؤسسات الجمهورية ومواجهة ما تعتبره مظاهر للإسلام السياسي

غير أن منتقدي هذه المقترحات يطرحون سؤالاً مختلفاً: هل يمكن أن تتحول العلمانية من مبدأ يضمن حياد الدولة تجاه الأديان إلى أداة لتقييد حرية المواطنين في اختيار لباسهم وممارسة معتقداتهم ..؟
وهنا تكمن حساسية الملف، لأن فرنسا تميز قانونياً بين حياد الدولة والمؤسسات العامة من جهة، وحرية الأفراد في المجال العام من جهة أخرى. وبالتالي فإن الانتقال من فرض قيود محددة في أماكن معينة إلى حظر شامل للحجاب في الفضاء العام سيكون له أثر قانوني ودستوري بالغ الأهمية
الجالية المسلمة أمام معركة سياسية جديدة
بالنسبة إلى ملايين المسلمين المقيمين في فرنسا، ومن بينهم أفراد الجالية المغربية، لا يتعلق الأمر بمجرد نقاش انتخابي عابر، بل بمسألة تمس الحياة اليومية والحرية الفردية والشعور بالمواطنة والانتماء
فطرح الحجاب بصورة متكررة خلال الحملات الانتخابية قد يؤدي إلى جعل المسلمين، وخصوصاً النساء المحجبات، في قلب الاستقطاب السياسي، في وقت يفترض فيه أن يكون النقاش حول مستقبل فرنسا مركزاً أيضاً على القدرة الشرائية، والسكن، والصحة، والتعليم، والأمن، وفرص العمل
ويرى مراقبون أن تصاعد الخطاب حول الحجاب والهجرة والهوية يعكس محاولة بعض التيارات السياسية استقطاب الناخبين من خلال الملفات الأكثر إثارة للانقسام، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي
بين حرية المعتقد وحدود العلمانية
حرية المعتقد وحدود العلمانيةالمعركة المقبلة لن تكون سياسية فقط، بل قد تكون قانونية ودستورية أيضاً. فأي مشروع يسعى إلى فرض حظر عام على الحجاب في الفضاء العام سيحتاج إلى المرور عبر المؤسسات الدستورية والقانونية الفرنسية، وقد يواجه نقاشاً عميقاً حول التوازن بين حماية العلمانية واحترام الحريات الأساسية
وفي نهاية المطاف، سيجد الناخب الفرنسي نفسه أمام سؤال يتجاوز الحجاب ذاته: أي نموذج للجمهورية يريد لفرنسا أن تكون عليه ..؟
هل تكون العلمانية إطاراً يضمن التعايش بين المواطنين مهما اختلفت معتقداتهم، أم تتحول إلى أداة لفرض قيود إضافية على بعض المظاهر الدينية ..؟
ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية لسنة 2027، يبدو أن الحجاب لن يكون مجرد قطعة قماش في النقاش السياسي الفرنسي، بل ورقة انتخابية قد يكون لها دور كبير في تحديد اتجاهات الناخبين وفي رسم ملامح المعركة المقبلة على قصر الإليزيه





