
أثار إعفاء الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، ماديحة خيير، من مهامها بعد يومين فقط من تعيينها، تساؤلات واسعة في أوساط الرأي العام المغربي، حول ما إذا كانت ستستفيد من منحة المغادرة ومعاش تقاعد الوزراء
والسؤال الذي يطرحه المغاربة ليس شكليا، بل هو سؤال جوهري يمس مباشرة مفهوم العدالة في توزيع المال العام، ويضع تحت المجهر نظاما يمنح أعضاء الحكومة السابقين تعويضات ومعاشات استثنائية، دون أن يخضعوا، في كثير من الحالات، لنفس شروط التقاعد التي تسري على الموظفين العموميين العاديين
صحيح، أن الظهير الشريف رقم 1.74.331 الصادر في 23 أبريل 1975، المتعلق بوضعية أعضاء الحكومة وتأليف دواوينهم، هو من ينظم وضعية أعضاء الحكومة بعد انتهاء مهامهم، وينص على أن يحصل الوزراء، عند مغادرة مناصبهم، على تعويض نهاية الخدمة، المعروف إعلاميا بـ “منحة المغادرة”، والذي يقدر بعشرة أشهر من التعويضات الشهرية التي كانوا يتقاضونها أثناء مزاولة مهامهم، كما ينص النظام نفسه على منح الوزراء السابقين معاشا شهريا بعد مغادرتهم الحكومة، وتشير تقارير صحفية إلى أن قيمة هذا المعاش تقدر بحوالي 39 ألف درهم شهريا بالنسبة للوزراء، و70 ألف درهم بالنسبة لرؤساء الحكومات، مع إمكانية تعديل قيمته وفقا لدخل المستفيد بعد انتهاء مهامه
غير أن الإشكال يكمن في أن هذه المعاشات تصرف مباشرة بعد مغادرة المنصب، دون اشتراط بلوغ سن التقاعد القانوني المطبق على الموظفين، ودون أن يساهم الوزير خلال فترة توليه الحقيبة بمساهمات تقاعدية مماثلة لتلك التي يؤديها الموظفون العاديون، كما يتم تمويلها مباشرة من الميزانية العامة للدولة
وبالرجوع إلى ظاهر النصوص، فإن المعيار المعتمد في منح التعويضات والمعاشات هو انتهاء مزاولة المهام الحكومية، بغض النظر عن سبب هذا الانتهاء، سواء كان بسبب الإعفاء أو انتهاء الولاية أو إعادة تشكيل الحكومة، وهو ما يفتح الباب أمام تفسيرات قانونية متباينة حول وضعية الوزيرة المعفاة بعد 48 ساعة فقط من تعيينها
فمن جهة، يمكن أن يفهم من النص أن الوزيرة المعنية، تدخل في نطاق المستفيدين من التعويضات المنصوص عليها قانونا .. ومن جهة أخرى، فإن استمرار استفادتها من هذه الامتيازات بعد مدة قصيرة جدا في المنصب يثير تساؤلات حول مدى توافقها مع روح العدالة والمسؤولية في استعمال المال العام، خاصة في ظل النقاش الدائر حول إصلاح المنظومة التقاعدية وضبط النفقات العمومية
للإشارة، فلا توجد حتى الآن معلومات رسمية معلنة بشأن ما إذا كانت الوزيرة المعفاة قد تقدمت بطلب للاستفادة من منحة المغادرة أو معاش التقاعد، أو ما إذا كانت السلطات المختصة ستعتمد تفسيرا معينا للنصوص القانونية في حالتها .. لذلك، يبقى الجواب الدقيق مرهونا بالقرار الإداري والقانوني الذي سيتم اتخاذه بشأن ملفها، خصوصا أن تعيينها لم ينشر في الجريدة الرسمية قبل إعفائها، وهو ما قد يسقط حقها قانونا
وفي هذا السياق، تؤكد النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة أن النقاش لا يتعلق بشخص الوزيرة المعفاة بقدر ما يتعلق بمنظومة ريع سياسي عمرت لأكثر من 50 سنة .. إننا في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، نعتبر أن استمرار العمل بظهير 1975 الذي يمنح معاشا استثنائيا دون مساهمة ودون مدة دنيا للاستحقاق، هو استفزاز صارخ لآلاف الصحافيين والمراسلين والمتعاونين الذين يشتغلون لعقود دون حد أدنى للأجر ودون حماية اجتماعية أو تقاعد، فكيف يعقل أن يطالب صحافي مهني قضى 20 سنة في الميدان بالتقشف والصبر، بينما يمنح وزير قضى 48 ساعة منحة 58 مليون درهم ومعاشا مدى الحياة ..؟ إننا نطالب حكومة المنصوري، التي رفعت شعار محاربة الريع وتجريم الإثراء غير المشروع، بأن تبدأ الإصلاح من هنا، من إلغاء معاشات ومنح الوزراء
وعموما، فإن النقاش لا يتعلق بشخص بعينه بقدر ما يتعلق بنظام كامل يمنح امتيازات استثنائية لأعضاء الحكومة السابقين .. فالموظف العمومي العادي لا يستفيد من معاشه إلا بعد بلوغه السن القانونية للتقاعد، وبعد سنوات طويلة من الخدمة والمساهمات، بينما يستفيد الوزير من معاشه بمجرد مغادرة المنصب، حتى لو كانت مدة توليه للحقيبة قصيرة جدا
كما أن منحة المغادرة، التي تعادل عشرة أشهر من التعويضات، تثير تساؤلات مشروعة في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية يعاني فيها كثير من المغاربة من ضغط الغلاء وتدهور القدرة الشرائية، فكيف يمكن تبرير منح مثل هذه المبالغ لمن أمضى أياما أو أسابيع فقط في منصب حكومي، بينما يطالب موظفون ومراسلون وصحافيون بحقوق أساسية في الأجر والحماية الاجتماعية والتقاعد ..؟
إن هذه الوضعية تفرض على الحكومة الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، أن تفتح نقاشا جادا ومسؤولا حول إصلاح نظام تعويضات ومعاشات الوزراء السابقين .. فالمطلوب ليس فقط توضيح وضعية الوزيرة المعفاة، بل مراجعة شاملة للنصوص التي تنظم هذه الامتيازات، بما يضمن العدالة والشفافية وترشيد النفقات العمومية
ويستوجب ذلك، على الأقل، تحديد شروط واضحة للاستفادة من منحة المغادرة ومعاش التقاعد، بما في ذلك اشتراط مدة دنيا في المنصب، وربط الاستفادة بالمساهمات الفعلية، وضمان خضوع هذه التعويضات لرقابة برلمانية ومجتمعية فعالة، مع نشر معطيات واضحة حول عدد المستفيدين وقيمة المعاشات والتعويضات المصروفة، حتى يتمكن المواطن من الاطلاع على كيفية تدبير المال العام
إن تساؤل المغاربة حول حصول الوزيرة المعفاة على منحة المغادرة ومعاش تقاعد الوزراء ليس مجرد فضول إعلامي، بل هو تعبير عن حق مشروع في معرفة كيفية تدبير المال العام وتوزيع الامتيازات .. فالدولة التي تطالب موظفيها ومواطنيها بالصبر والتفهم في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة، يجب أن تكون أول من يلتزم بالقدوة في ضبط النفقات وترشيد الامتيازات
إذن، لا يمكن أن تستمر منظومة تمنح تعويضات ومعاشات استثنائية دون شروط واضحة ودون مساءلة كافية، في وقت يعاني فيه كثير من المغاربة من هشاشة اجتماعية واقتصادية .. لذلك، فإن الإجابة على هذا التساؤل يجب أن تكون واضحة وشفافة، وأن تفتح الباب أمام إصلاح حقيقي لنظام تعويضات الوزراء، بما يكرس مبدأ العدالة والمساواة أمام القانون، ويعزز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة
زر الذهاب إلى الأعلى