
رسالة إلى السيد وزير الشباب والثقافة والتواصل
يا من تمسكون بخيوط الأمل في زمن تتشابك فيه الأسئلة وتضيق فيه المسالك

*سعيد ودغيري حسني
قررت الخوض في هذا الموضوع وأنا ما زلت في فترة نقاهة بعد عملية جراحية تكفلت بها مشكورة التعاضدية الوطنية للفنانين .. هذه التعاضدية التي تدعمها وزارتكم منذ نشأتها، والتي تحظى بالعناية الملكية الشريفة، والتي كان لي الشرف أن أكون أحد مؤسسيها ومندوبا منتخبا في مجلسها لست سنوات، إلى جانب رجال فن ونساء فن غيورين معطاءين آمنوا بأن للفنان حقا في الكرامة قبل التصفيق
يا سيدي الوزير وأنت الشاب الذي جاء بروح جديدة والذي نراك قريبا من نبض الميدان ومتفهما لتحولات الزمن الثقافي، نخاطب فيك ذلك الإصغاء الذي لا يخذل وتلك الإرادة التي لا تؤجل الحق حين يتبين .. أكتب إليكم لا بمداد الحبر، بل بنبض التجربة وبصوت فئة تعيش بين الضوء حين يسطع والظل حين ينطفئ كل شيء، فالفنان يا سيدي ليس وظيفة ولا رقما هو لحظة صدق تمر في عمر وطن، وقد تمر ثم تختفي تاركة خلفها أثرا لا يزول
الفنان لا دخل قار له ولا أجر ينتظره آخر الشهر قد يشتغل يوما ويغيب أعواما، وقد يعطي كل ما لديه ثم يعود بصمت، فكيف يثقل كاهله بما لا يملك، وكيف يطالب بما لم يقبضه يوما، اليوم يجد نفسه أمام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يطالبه بما تراكم دون اختيار، كأن الانخراط قدر مكتوب، وكأن صمته كان موافقة، والحال أنه كان منشغلا فقط بالبقاء
يا سيدي الوزير، إن الهيئات النقابية لم تدخر جهدا .. سعت وترافعت وفتحت أبواب الحوار، وجلست مرارا مع مسؤولي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بروح مسؤولة وإرادة صادقة في إيجاد حل منصف .. لكن، رغم تعدد اللقاءات وتوالي النقاشات لم يخرج إلى الواقع شيء ملموس، وظل الفنان معلقا بين وعد مؤجل وواجب مفروض
لقد طرق الفنانون الأبواب وتحدثوا بصدق لا لبس فيه .. لكن، الطريق ما زال معتما والحل ما زال مؤجلا، والقلوب أثقل مما كانت .. فيهم من جاوز الستين .. فيهم من أنهكته السنين .. فيهم من لم يعد يقوى على الوقوف فوق الخشبة، وفيهم من ينتظر فقط أن يعيش ما تبقى بكرامة، أن يستند إلى وطنه لا أن يخشى مطالبه، أن يجد من يربت على كتفه لا من يثقل عليه
يا سيدي الوزير ونحن نخاطبكم بثقة في إنصاتكم، نعلم أن لهذا الوطن صدرا حنونا لا يضيق بأبنائه، وأن للفنان فيه مكانة لا تغيب، وأنه إذا اشتدت السبل وتعثرت الحلول، يبقى الأمل معقودا على صدر أمير المؤمنين محمد السادس، الذي ما فتئ يحيط هذه الفئة بعنايته الشريفة، فيكون الرجاء فيكم خطوة ويكون الأمل في رعايته سندا
يا سيدي، نعلم أنكم تدركون أن العدالة ليست تعميما أعمى، بل فهما دقيقا للفوارق، وأن الحماية الحقيقية لا تكون بفرض الواجب، بل بضمان الكرامة، لعل في التفاتتكم حلا في صيغة تراعي خصوصية الفنان في رفع هذا العبء الذي لا يحتمل، في إعادة الاعتبار لمسار نضالي طويل، ولعل في تخصيص دعم شهري لمن تجاوز الستين .. بارقة أمل، قرار بسيط في شكله عظيم في أثره لا يحتاج إلا إرادة، أما الموارد فتجد لها الدولة دائما سبيلا
يا سيدي الوزير، إنهم قلة في العدد كبار في الأثر، زرعوا الفرح في وجدان هذا الوطن، وغنوا له في لحظات القوة والضعف، وحان الوقت أن يجدوا من يغني لكرامتهم .. هذه ليست شكوى، بل نداء، وليست معارضة، بل رجاء أن يبتسم الفنان .. أن يعيش مرفوع الرأس .. أن يحيا كما أعطى الحياة للآخرين، وألا يموت غبنا وهو الذي علم الناس كيف يبتسمون ..!

*شاعر غنائي ومسرحي وسيناريست




