

سعيد ودغيري حسني
في زمن لم يعد فيه أحد يحتكر الكلمة ولم تعد فيه المعلومة حبيسة المكاتب المغلقة ولا رهينة المطابع وأبراج البث، يبدو السؤال حول التعددية الإعلامية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. لقد دخل العالم عصر الوفرة الرقمية، حيث يستطيع أي فرد أن ينشر رأيه وأن يبث صوته وأن يخاطب الملايين من وراء شاشة صغيرة يحملها في جيبه. ومع ذلك، ما زالت مجتمعات كثيرة تعيش مفارقة عجيبة. تتعدد فيها الشاشات .. لكن، الصوت يظل واحدا. وتتسع فيها المنابر .. لكن، السردية تكاد تبقى نفسها. وتتغير فيها الواجهات بينما تستمر البنية العميقة في إعادة إنتاج الخطاب ذاته
في المغرب كما في بلدان عديدة لا يكفي أن ننظر إلى عدد القنوات حتى نحكم على مستوى التعددية. فالتعددية ليست مسألة حسابية تقاس بعدد المحطات التلفزية أو ساعات البث أو حجم الإنتاج. التعددية في جوهرها هي تعدد الرؤى وتنوع المقاربات وحق المجتمع في أن يرى نفسه بكل تناقضاته وأسئلته واختلافاته داخل الفضاء الإعلامي
قد توجد قنوات كثيرة .. لكن، المشاهد يشعر أحيانا أنه يتنقل داخل الممر نفسه. الوجوه نفسها تتكرر. اللغة نفسها تعاد صياغتها. الأولويات نفسها تفرض نفسها على جدول الأعمال الإعلامي. وحتى عندما تختلف البرامج تبقى الحدود العامة للنقاش متشابهة إلى حد بعيد. فينشأ ذلك الإحساس الغامض بأن تعدد الشاشات لا يقابله دائما تعدد حقيقي في زوايا النظر
لقد كان من الممكن في زمن سابق أن ينجح هذا النموذج في الحفاظ على تأثيره. حين كانت القنوات التلفزية المصدر الرئيسي للمعلومة وحين كان الجمهور ينتظر النشرة الإخبارية ليعرف ما يجري حوله. أما اليوم فقد تغير العالم بصورة جذرية. لم يعد المواطن ينتظر أحدا ليخبره بما حدث. لقد أصبح شاهدا ومعلقا وناشرا في الوقت نفسه. وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاء مفتوحا تتقاطع فيه الأخبار والتحليلات والشهادات والصور والآراء
لهذا، لم تعد المشكلة الكبرى هي وجود التعددية أو غيابها. فالتعددية أصبحت واقعا يوميا لا يمكن إلغاؤه. المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية التعامل معها. فبدل أن تتحول إلى فرصة لتجديد الإعلام وتطويره والانفتاح على المجتمع يبدو أحيانا أن بعض المؤسسات ما زالت تتعامل مع الواقع الجديد بعقلية تشكلت في زمن آخر. زمن كانت فيه السيطرة على المنبر تعني السيطرة على الرسالة. بينما أصبحت الرسائل اليوم تتدفق من كل اتجاه وبسرعات تفوق قدرة أي مؤسسة على الاحتواء أو الضبط
إن الخوف لم يعد من تعدد الأصوات، بل من تعدد الأصوات المؤثرة. لم يعد الخوف من وجود رأي آخر، بل من قدرته على الوصول إلى الناس وإقناعهم وتشكيل وعيهم .. ولذلك، لم تعد المعركة تدور حول منع الكلام، بل حول إدارة الانتباه وتوجيهه وصناعة الأولويات داخل فضاء رقمي مفتوح ومتشابك
غير أن التجربة الإنسانية أثبتت أن الثقة لا تبنى بالتحكم. فالمجتمعات الحديثة لا تمنح ثقتها للمؤسسات لأنها تكرر الخطاب نفسه، بل لأنها تمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة الصعبة. ولا تحترم الإعلام لأنه يوافقها دائما، بل لأنه يساعدها على فهم الواقع بكل تعقيداته. فالإعلام الذي يخشى التعددية يفقد تدريجيا قدرته على تفسير المجتمع. والإعلام الذي يبتعد عن نبض الناس يترك المجال فارغا أمام الشعبوية والإشاعة والتضليل

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإعلام المغربي اليوم ليس تقنيا ولا ماليا فقط. إنه تحد ثقافي وفكري بالدرجة الأولى. تحد يتعلق بالقدرة على الانتقال من منطق إدارة الصورة إلى منطق صناعة المعنى. ومن منطق التلقين إلى منطق الحوار. ومن منطق الصوت الواحد إلى منطق الثقة في ذكاء المجتمع وقدرته على التمييز بين الآراء المختلفة
لقد تغير الجمهور أكثر مما تغيرت المؤسسات. وتغيرت أدوات المعرفة أكثر مما تغيرت أساليب التدبير. وأصبح من الصعب إقناع مواطن يعيش داخل فضاء عالمي مفتوح بأن الحقيقة يمكن أن تختزل في رواية واحدة أو زاوية واحدة أو تفسير واحد
ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كم قناة نملك، بل أي إعلام نريد ..؟
هل نريد إعلاما يكتفي بترديد ما يعرفه الناس سلفا أم إعلاما يمتلك الجرأة على استكشاف ما لا يقال ..؟
هل نريد إعلاما يخشى الأسئلة أم إعلاما يعتبر السؤال شرطا من شروط الحياة الديمقراطية السليمة ..؟
لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي منظومة إعلامية ليس النقد ولا الجدل ولا تعدد الأصوات، بل أن تصبح متوقعة إلى درجة يفقد معها الجمهور فضوله تجاهها. وعندما يفقد الناس فضولهم تجاه الإعلام يفقد الإعلام أهم ما يملكه وهو القدرة على التأثير
لقد انتهى زمن الاحتكار إلى غير رجعة. وانفتح المجال العمومي على آفاق جديدة لا يمكن إغلاقها. ولم يعد الرهان هو حماية المجتمع من التعددية، بل حماية التعددية نفسها من التحول إلى ضجيج بلا معنى. وهنا فقط يصبح للإعلام دور حقيقي. ليس كحارس للبوابة، بل كصانع للمعنى. وليس كصدى لصوت واحد، بل كمساحة تتسع لكل الأصوات القادرة على خدمة الحقيقة والمصلحة العامة




