أخباركلمة النقابة

“ظهير الحريات 1958” .. حين ضربت حرية الصحافة بقانون حكومي ..!

ظهير الحريات 1958 .. حين ضرب إرث الصحافة بقانون حكومي ..!

 

 

في تاريخ الصحافة المغربية، قلّما كانت هناك لحظات شَعَرَ فيها المهنيون أن الأرض تسحب من تحت أقدامهم .. وإحدى هذه اللحظات كانت عند تمرير حكومة عبد الإله بنكيران لقوانين الصحافة والنشر، حيث لم تكن المسألة مجرد تعديل تشريعي عادي، بل انتكاسة رمزية وقانونية لإرث وطني لا يزال صالحا للحياة .. إنه ظهير الحريات العامة لسنة 1958

مهما كانت المبررات التي ساقتها حكومة بن كيران آنذاك لـ«عصرنة المشهد الإعلامي»، بدا ما حدث إهانة متعمدة لظهير شريف أثبت، على مدى أكثر من نصف قرن، قدرته على مواكبة التحولات دون أن يفقد روحه التحررية

الظهير 1958 صدر في 15 نونبر 1958، في سياق ما بعد الاستقلال مباشرة، ورغم بساطة صياغته، حمل في طياته فلسفة متقدمة، لم يكن قانونا مثاليا .. لكنه، منح الصحافة هامشا واسعا للحركة، واعترف بالصحافي كفاعل سياسي واجتماعي مشروع، والأهم أن مواده لم تكن جامدة

ظل هذا الظهير قادرا على التلاؤم مع الواقع الصحفي والإعلامي المتغير دون حاجة إلى جراحة تشوه هويته، لم تكن مواده عائقا أمام التطور أو العصرنة؛ بل كان بالإمكان الاكتفاء بتعديلات محدودة تتماشى مع التحول الرقمي وتحديات الإعلام الحديث، بدل هدم البناء كله

جاء الفعل التشريعي لحكومة بنكيران تحت شعار «تأهيل القطاع» .. لكن، الممارسة كشفت أن الهدف الحقيقي كان تضييق الخناق وتحويل بعض جرائم النشر إلى أدوات تأديبية:

* أعيدت صياغة العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر، رغم الوعود الرسمية بإلغائها

* فرضت شروط تعجيزية على إحداث المقاولات الصحفية، مما أقصى المبادرات الفردية والمستقلة

* منحت السلطة التنفيذية هامشا واسعا للتدخل في التنظيم الذاتي للمهنة عبر المجلس الوطني للصحافة

بهذا تحولت «العصرنة» إلى تراجع، بدل تحديث الآليات لتعزيز الحرية والإبداع الصحافي، جرى تحديث أدوات القمع: مساطر مطولة، غرامات، ومراقبة مضنية .. والحقيقة أنه عندما تُهمش وثيقة قانونية عمرها عقود لمجرد أنها لا تتلاءم مع توجه حكومي لحظي، فذلك استخفاف بمبدأ استمرارية الدولة واستقرار منظومتها القانونية .. لذلك، فإن وصف هذا الفعل بأنه «جريمة» ليس مبالغة، بل تشخيص لفعل سياسي ضرب في العمق مبدأ احترام القانون كحارس للحريات، ومهد الطريق لتطبيع الرقابة الذاتية والخوف المهني

الحصيلة بعد سنوات من تطبيق قوانين 2016 تبدو واضحة:

– مشهد إعلامي أكثر هشاشة

– مقاولات صحفية أغلقت أبوابها

– صحافيون مستقلون يعملون في الهامش

– ثقة المواطن في الإعلام تنهار إلى مستويات غير مسبوقة

لو اختارت حكومة بنكيران آنذاك مسار التعديل الذكي بدل الهدم، لكان المغرب اليوم يملك قانونا عصريا يحافظ على روح ظهير 1958 ويستجيب لتحديات الرقمنة والتضليل .. لكن، الخيار كان سياسيا بامتياز .. استبدال منطق الحرية بمنطق الضبط

اليوم، لم تعد المطالبة بمراجعة نقدية لتجربة قوانين 2016 ترفا أكاديميا، بل ضرورة مهنية ووطنية، كما تؤكد النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة .. فلا يمكن إصلاح المشهد الإعلامي بقوانين مبنية على الشك والضبط المسبق

أيها السادة، الظهير الشريف لسنة 1958 لم يمت فعليا، بل دفن حيا من طرف حكومة بن كيران، وإعادة الاعتبار له، ولو جزئيا، قد تكون نقطة انطلاق نحو ميثاق إعلامي جديد يعيد التوازن بين الحرية والمسؤولية ويقطع مع منطق «الإهانة التشريعية» التي ما تزال آثارها تطارد الصحافة المغربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق