
بعد 27 ربيعا .. النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة من أمسيات الصمود إلى فجر التجديد ..!

لقد آن الأوان أن نعبر عن فرحتنا بما أنجزته النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة منذ تاريخ تأسيسها (1999/01/29) إلى يوم الناس هذا .. فرحة ليست مجرد احتفال عابر، بل اعتراف جماعي بجهد مضن ونقطة انعطاف في مسار مهني واجتماعي كان معرضا للهدر والتشويه طوال عقد كامل .. نعم، أثبتت النقابة، عبر عملها المستقل والمستمر، إيمانها بالمقاربة التشاركية والتعددية كمنهج للإصلاح والتغيير، وسجلت إنجازات تستحق التوقف عندها، خصوصا في ظل عشرية “البيجيدي” التي شهدت تسارعا في محاولات ضرب حرية الصحافة وتشويه دور الهيئات المهنية والنقابية
الاحتفاء بإنجازات النقابة لا يأتي من فراغ .. فالنقابة، الأمينة على مهنة الصحافة والتي آمنت بالتعددية ومارستها، قدمت خلال سنوات عصيبة دفاعا عمليا عن حقوق الصحافيين، وحافظت على قيم الاستقلالية والمهنية في مرحلة تلبدت فيها المناخات السياسية وتحولت الصحافة فيها إلى أداة صراع، كانت النقابة سندا لأفراد المهنة وبيئة تتيح الحوار والتمثيل والترافع عن القضايا المهنية .. هذا السلوك النقابي لم يسعَ فقط للحماية الآنية، بل سعى إلى الرشد المؤسسي الذي يضمن استدامة الحريات الإعلامية على المدى المتوسط والطويل
من إنجازات النقابة -على سبيل المثال لا الحصر- فرض منطق المشاركة في نقاشات الإصلاح الإعلامي، ويتجلى ذلك في قدرتها على فتح قنوات تواصل مع مؤسسات رسمية ومكونات المجتمع المدني والأطراف المهنية الأخرى .. هذه القنوات لم تكن لتُفتح لولا ثبات موقف النقابة على استقلاليتها والتزامها بالتعددية كقاعة للحوار، كما ساهمت النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة في توثيق الانتهاكات، وتقديم الدعم القانوني والمهني لبعض الزملاء المتضررين، وتنظيم مبادرات تدريبية وورش عمل لتعزيز الكفاءة المهنية، وهو ما يسهم في بناء جيل صحافي قادر على مجابهة تحديات التحول الرقمي ومتطلبات الاحتراف
في مواجهة عشرية التضييق خلال العقد الماضي، صدمت الصحافة روافع ضغط متعددة: سياسات تضييق، حملات تشويه، إقصاء مؤسسي، وأحيانا إجراءات قانونية وإدارية قاسية .. في مواجهة كل ذلك، برزت النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة كقوة دفاعية ومنظمة مهنية غير مرتبطة بأجندات سياسية ضيقة؛ وبذلك نجحت في تحويل عنصر الضغط إلى دافع للتوحيد الداخلي وتوضيح الرؤية
الدرس الأهم هنا أن النقابات المهنية حين تبني تحالفات مبنية على المبادئ لا على المصالح الضيقة تكون قادرة على الصمود والتأثير .. وانطلاقا مما سبق، آن الأوان للنقابة المستقلة للصحافيين المغاربة أن تنتقل من الاحتفاء إلى الفعل .. وفي هذا السياق، يشكل المؤتمر الوطني المزمع عقده قريبا لحظة مفصلية في مسيرة النقابة؛ فهو ليس مجرد تجمع تنظيمي روتيني، بل فرصة استراتيجية لتقييم ما تحقق ووضع خارطة طريق عملية لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة .. وفي سياق الاحتفاء بالإنجازات، ينبغي أن يتحول المؤتمر إلى منصة لاتخاذ قرارات ملموسة تشمل:
– إعادة تثبيت الهياكل التنظيمية
– مراجعة وتنقيح القوانين الداخلية لتأكيد الضوابط الديمقراطية والشفافية في التداول على المسؤولية
– صياغة خطاب استراتيجي
– تحديد أولويات عمل النقابة للسنوات الأربع المقبلة مع جداول زمنية ومؤشرات قياس الأداء
– برامج الحماية المهنية والقانونية
– إقرار آليات دعم قانوني ونفاذ فعال لحقوق الزملاء المعرضين للملاحقات أو التضييق
– إطلاق برنامج مستدام لتكوين الصحافيين في مهارات التحقيق والصحافة الرقمية وأخلاقيات المهنة، وتفعيل الحوار مع الجهات الرسمية، بالإضافة إلى إعداد مذكرة مطالب واضحة قصيرة وطويلة المدى لتقديمها للسلطات وصناع القرار
ولكيلا يبقى المؤتمر مناسبة للبيانات والشعارات فقط، يجب أن يخرج بقرارات قابلة للتنفيذ وملزمة بآليات متابعة .. ونقترح عمليا إنشاء لجان تنفيذية مؤقتة بمهام محددة وآجال تسليم واضحة، واعتماد تقارير دورية للنشر توثق تقدم العمل أمام الأعضاء والرأي العام، وإقرار بند لتقييم أداء القيادة كل سنتين مع آليات تصحيحية شفافة
للإشارة، الفرحة بالإنجازات لا تعفي النقابة من التزامات جسيمة .. فالمشهد الإعلامي يتطور بسرعة: التحول الرقمي، تدهور اقتصاديات الإعلام، انتشار الأخبار المضللة، وضغوطات قانونية متجددة .. لهذا، النقابة عاقدة العزم على تحويل نجاحاتها الرمزية إلى هياكل ودساتير تنظيمية تضمن الحماية الدائمة، مع توسيع قدراتها التدريبية والقانونية، والعمل على إرساء تداول قيادي شفاف داخلها، والمؤتمر الوطني هو الفرصة الأبرز لتحويل هذه المطالب إلى سياسات فعلية
إن الإنجازات النقابية ليست مكافأة حصرية للصحافيين؛ إنها مكسب للمجتمع ككل، لأن صحافة حرة ومستقلة هي ركيزة لأي ديمقراطية سليمة ودولة تقوم على المساءلة .. لذلك، نطالب من جديد السلطات العمومية بالاعتراف بالدور البناء لهذه المؤسسة المهنية وتبني سياسات تحفز التعددية وتصون حرية التعبير، بدل الانجرار وراء مناكفات تضعف مناعة الجسم الصحفي والإعلامي .. وفي المقابل، نجدد التزامنا كنقابة بأن نظل صوتا للمهنيين، منفتحين على قواعدنا، ومسؤولين أمام التاريخ .. فليكن المؤتمر المقبل عهدا جديدا نحول فيه الفرح إلى قرار، والقرار إلى أثر، والأثر إلى حماية دائمة لحرية الصحافة في المغرب





