البياناتالثقافة و الفن

بيان ساخر حاد: “يا أهل الثقافة .. هَاتُوا الشَّعِيرَ لِلْحَمِيرِ، وَاتْرُكُوا الْفَرْجَةَ لِلضِّبَاعِ”

رجاء نصـر الشرقاوي

حين نُطالع اليوم نتائج توزيع المنح والمداخيل المخصصة للنهوض بالثقافة، تصيبنا نكسة لا يُرممها إلا جدار السينما القديم. منح لا هي أغنت من جوع، ولا هي سدت رمق المهرجانات الوطنية التي ترفع رأس البلد؛ منح “هزيلة” تجعلك تتساءل: هل نُظم توزيعها خاضعٌ للحكامة والانصاف، أم أنه خاضعٌ لقاعدة “قسّم التورتة وحدك واستعن باللجان المريحة” ..؟

​إن إدارة المشهد الثقافي اليوم أصبحت تُشبه توزيع “الصدقة” في أيام المجاعة؛ يُطلب من الفنان والمبدع والفاعل الجمعوي أن يبني مسرحاً، ويُخرج فيلماً، ويُنظم مهرجاناً دولياً بميزانية لا تكفي حتى لتغطية مصاريف “واجب الشاي والمطويات” ..! يبدو أن القائمين على الشأن الثقافي يُطبقون مبدأ “العفة والقناعة” على الآخرين، بينما ميزانياتهم اللوجستية تُدار بحكامة “النعيم المقيم

في زمنٍ أصبحت فيه المبادئ تُقاس بميزان المنح، والجهود الثقافية تُكافَأ بفتات الميزانيات، لا يسع المرء أمام هذا المشهد البائس إلا أن يبتسم ابتسامةً مريرة، ويستحضر تلك المقولة التهكمية البليغة: “يا أهل الثقافة .. هاتوا الشعير للحمير، واتركوا الفرجة للضباع ..!”

إنها ليست مجرد عبارة قاسية، بل هي توصيفٌ تشريحي حاد لوضعٍ آلت فيه شؤون النهوض بالثقافة والمهرجانات الوطنية إلى منطق التوزيع غير المنصف، حيث غابت معايير الحكامة والشفافية، وحلّ محلها منطق الترضيات التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع

​أولاً: في الفلسفة العميقة لـ “الشعير والفرجة ​إعادة تعريف الدعم الثقافي:

حين تُمنح المهرجانات الجادة والفعاليات السينمائية مبالغ هزيلة تُشبه “مصروف الجيب”، يُصبح المطلوب ضمنياً من الفاعل الثقافي هو تحويل مشروعه الفكري إلى مجرد عملية “تغذية قسرية” بلا طموح ولا رؤية. تُسدّ الرمق فقط، تماماً كما يُقدّم الشعير لدواب العبء كي تستمر في أداء مهامها الشاقة دون اعتراض أو مطالبة بجودة الحياة

​سيادة المنطق الفرائسي:

أما “ترك الفرجة للضباع”، فهو تجسيد صارخ لتسليم المشهد الثقافي والإعلامي لمن يجيدون التكالب والاقتناص. في ظل تراجع الدعم المؤسساتي المنصف للمشاريع النبيلة، تتصدر الساحة الاستعراضات الهابطة والفقاعات الموسمية التي تقتات على الرداءة، وتلتهم ذائقة الجمهور كما تلتهم الضباع فريستها

​ثانياً: مفارقة الذاكرة الكبرى (من “الطون والحرور” إلى جفاف اللجان)

​السينما الجيل الذهبي:

كنا نستمتع بوقت الاستراحة بسندويتش “الطون والحرور” وشيء من “الزريعة”، ونكتمل بشغفٍ عالي ومحبة صادقة لمشاهدة الفيلم إلى نهايته. لم تكن هناك لجان ولا مساطر معقدة، بل كان هناك جمهور حقيقي وشغف خام يخلق الفن من أبسط الموارد

​الواقع الحكاماتي الراهن:

ملفات ضخمة، لجان تقييم بأسماء رنانة، وشعارات عريضة عن “الحكامة والانصاف”، والنتيجة: منح خاوية تعيدنا إلى زمن العوز والإحباط، وكأن المطلوب هو إخصاء الفكر وإطفاء جذوة المبادرة

​ثالثاً: “مشى الزمان بناسو .. وجا زمان بفاسو”

​لقد تبدلت الأحوال، وصار الفأس يُقطع به كل شجرة مثمرة تُحاول النمو خارج دوائر النفوذ والسيطرة. يتقلد المسؤولية من لا يملك أدنى حس بالمسؤولية الوطنية تجاه الفن والإبداع، وتُوزع الميزانيات بعيداً عن الاستحقاق والغيرة الوطنية

​رغم هذه المرارة الساخرة، ورغم محاولات الإحباط المتكررة، يظل هذا الوطن أكبر من حسابات المسؤولين الصغار. الغيرة على هذا الوطن الحبيب ستظل تاجاً يزين رؤوس المبدعين والمناضلين الشرفاء في الحقل الثقافي. سنستمر في إنجاز مهرجاناتنا وإيصال صوتنا، لأن الثقافة بالنسبة لنا حياة وقضية، بينما هي بالنسبة لغيرنا مجرد خانة في ميزانية تُصرف بدمٍ بارد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق