
وسيط المملكة بين الثقة الملكية وانتظار المواطن

سعيد ودغيري حسني
هناك مؤسسات تولد لأن القانون أراد لها أن توجد، وهناك مؤسسات تولد لأن الوطن يحتاج إليها، ومؤسسة وسيط المملكة من هذا الصنف الذي لا يمكن اختزاله في بناية أو إدارة أو هيكل تنظيمي لأنها ولدت من فكرة أكبر من الجدران ومن رسالة أوسع من الاختصاصات .. رسالة عنوانها أن يبقى الإنسان في قلب الدولة وأن يبقى الإنصاف جسرا لا ينقطع بين المواطن والإدارة
ولعل أجمل ما في المغرب الحديث، أنه لم يجعل بناء المؤسسات ترفا سياسيا ولا زينة دستورية، بل جعلها خيارا استراتيجيا يقوده صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين وهو يؤسس لمغرب يزداد قوة كلما ازدادت مؤسساته مصداقية، ويزداد تماسكا كلما شعر المواطن أن الدولة لا تراه رقما في سجل ولا ملفا فوق مكتب، وإنما تراه إنسانا له كرامة وله حقوق وله مكانة داخل وطنه
لقد آمن جلالة الملك بأن التنمية ليست اسمنتا وحديدا فقط، وأن الطرق والموانئ والمصانع مهما بلغت أهميتها لا تستطيع أن تحقق الغاية الكبرى إذا لم يشعر المواطن أن العدالة تسير إلى جانبه، وأن الإدارة لا تتحول إلى عبء على حياته وأن القانون يفتح له الأبواب، بدل أن يغلقها في وجهه .. ومن هنا جاءت فلسفة الإصلاح الإداري وتحديث المرفق العمومي، وترسيخ دولة المؤسسات وتعزيز الهيئات الدستورية، التي جعلها الدستور شريكا في حماية الحقوق وصيانة الثقة بين الدولة والمجتمع
ومن بين هذه المؤسسات تبرز مؤسسة وسيط المملكة بما تحمله من رمزية خاصة فهي لا تنازع القضاء اختصاصه ولا تنافس الإدارة في صلاحياتها، وإنما تمد بينهما خيطا من الحكمة يجعل الحوار ممكنا والإنصاف أقرب والحق أيسر وصولا إلى صاحبه .. ولذلك، فإن الحديث عن هذه المؤسسة ليس حديثا عن إدارة جديدة، بل عن فلسفة جديدة في تدبير العلاقة بين السلطة والمواطن وعن إيمان بأن قوة الدولة لا تقاس بما تملكه من وسائل الإلزام وحدها، وإنما بما تملكه من قدرة على الإنصاف والإنصات وتصحيح الخطأ حين يقع
وحين تفضل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بتعيين الأستاذ حسن طارق على رأس مؤسسة وسيط المملكة، لم يكن الأمر بالنسبة إلي مجرد خبر يمر في نشرة الأخبار ثم يطويه النسيان، بل رأيته مناسبة للتأمل في معنى الثقة الملكية وفي حجم المسؤولية التي تضعها هذه الثقة على عاتق من ينالها، لأن الملك حين يعين مسؤولا على رأس مؤسسة دستورية فإنه لا يمنحه امتيازا بقدر ما يضع بين يديه أمانة الوطن ويكلفه بخدمة المواطن ويعهد إليه بأن يكون في مستوى الرسالة التي أنشئت المؤسسة من أجلها
ولست هنا بصدد الحديث عن الرجل بقدر ما أتحدث عن المنصب وعن الرسالة، لأن الأشخاص مهما علت أسماؤهم يبقون عابرين، أما المؤسسات فهي التي تبقى وهي التي تخلد وهي التي تصنع ذاكرة الدول .. ولذلك، فإن ما ينتظره المغاربة اليوم ليس خطابات جديدة ولا عبارات منمقة، وإنما ممارسة يومية تجعل المواطن يشعر بأن هذه المؤسسة أقرب إليه من أي وقت مضى، وأن بابها مفتوح لكل من ضاقت به السبل وأغلقت في وجهه النوافذ
لقد تغير المغرب كثيرا خلال ربع القرن الأخير واتسعت أوراشه وتعاظمت طموحاته وأصبح مقبلا على استحقاقات كبرى وطنية ودولية، غير أن كل هذه الطموحات تحتاج إلى إدارة حديثة تؤمن بأن خدمة المواطن ليست فضلا، وإنما واجب، وأن حسن الاستقبال ليس مجاملة، وإنما ثقافة، وأن سرعة معالجة الملفات ليست استثناء، وإنما قاعدة، وأن احترام الحقوق ليس منحة تمنح، وإنما التزام دستوري وأخلاقي
وإذا كانت مؤسسة وسيط المملكة قد أنشئت لتقريب الإدارة من المواطن، فإن نجاحها الحقيقي لن يقاس بعدد الملفات التي تتوصل بها ولا بعدد التقارير التي تصدرها، وإنما بعدد القضايا التي تجد طريقها إلى الحل وبعدد المواطنين الذين يستعيدون ثقتهم في مؤسساتهم وبعدد الإدارات التي تعتبر توصيات الوسيط فرصة للمراجعة والتطوير لا عبئا يجب التخلص منه
إن المواطن المغربي لا يبحث عن المستحيل ولا يطلب امتيازا على حساب أحد، إنه يريد فقط أن يشعر بأن حقه لا يضيع في متاهة الإجراءات، وأن كرامته محفوظة، وأن صوته يجد من يسمعه، وأن هناك مؤسسة إذا تعذر عليه الوصول إلى حقه مدت إليه يدها لا لتخاصم الإدارة، وإنما لتساعدها على أن تكون أقرب إلى روح القانون وإلى مقاصده
ولأن الثقة الملكية مسؤولية قبل أن تكون تشريفا، فإن سقف الانتظارات يرتفع تلقائيا، فكل تعيين ملكي داخل مؤسسة دستورية يوقظ الأمل في نفوس المواطنين ويجعلهم يتطلعون إلى مرحلة أكثر إشراقا وأكثر قدرة على معالجة الإشكالات بروح جديدة، وهذا أمر طبيعي لأن المواطن يربط دائما بين الإرادة الملكية في الإصلاح وبين أداء المؤسسات التي أوكل إليها تنفيذ هذه الرؤية على أرض الواقع
ولعل المرحلة المقبلة تمنح مؤسسة وسيط المملكة فرصة ثمينة لتعزيز حضورها داخل المجتمع عبر مزيد من القرب من المواطنين ومزيد من الانفتاح على مختلف الفاعلين ومزيد من الجرأة في الدفاع عن مبادئ الحكامة الجيدة وترسيخ ثقافة الإنصاف داخل الإدارة حتى يصبح الاحتكام إلى العدالة الإدارية سلوكا يوميا لا استثناء تفرضه الظروف
إنني حين أكتب عن مؤسسة وسيط المملكة لا أبحث عن الإشادة ولا أمارس النقد من أجل النقد، وإنما أكتب لأنني أؤمن أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تفتح نافذة للأمل، وأن المؤسسات تكبر حين تجد من يتابعها بمحبة ووعي وإيمان برسالتها، وأن المسؤول الحقيقي هو الذي يعتبر الانتظارات الكبيرة حافزا للعمل لا عبئا عليه
سيظل المواطن دائما هو المقياس الحقيقي لنجاح أي مؤسسة فإن عاد من بابها وهو يشعر أن كرامته صينت وأن حقه وجد طريقه إلى الإنصاف فقد نجحت المؤسسة في أداء رسالتها، وإن خرج وهو أكثر ثقة في دولته وأكثر يقينا بعدالة وطنه فقد ربحت الدولة كلها لأن الثقة هي الرصيد الذي لا يقدر بثمن وهي الأساس الذي تبنى عليه كل مشاريع التنمية وكل رهانات المستقبل
إن المغرب الذي يقوده صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله اختار منذ سنوات أن يجعل من الإنسان محور التنمية ومن المؤسسة ركيزة الاستقرار ومن سيادة القانون عنوان الدولة الحديثة .. ولذلك، فإن مؤسسة وسيط المملكة ليست تفصيلا في هذا البناء الكبير، وإنما حجر أساس فيه لأنها تحرس قيمة من أسمى القيم وهي الإنصاف وتدافع عن معنى من أنبل المعاني وهو أن يشعر كل مواطن بأن وطنه لا يتركه وحيدا حين يطرق باب حقه
وبين الثقة الملكية التي تؤسس للمسؤولية وبين انتظار المواطن الذي يمنحها معناها الحقيقي تمتد رسالة وسيط المملكة .. رسالة لا تحتاج إلى ضجيج بقدر ما تحتاج إلى عمل هادئ صادق يجعل الناس يرون أثرها في حياتهم اليومية ويشعرون أن هذا الوطن كلما تقدم في العمر ازداد قربا من أبنائه وازداد وفاء لوعد قطعه على نفسه أن يكون الإنسان فيه دائما هو البداية وهو الغاية





