
النقابة المهنية المغربية لمبدعي الأغنية سفيرة الوطن إلى القلوب

*الشاعر الغنائي سعيد ودغيري حسني
ليس كل سفير يحمل جوازا دبلوماسيا فهناك سفراء يحملون لحنا ويعبرون الحدود بكلمة صادقة ويرفعون راية أوطانهم فوق المسارح قبل أن ترتفع فوق المباني، وهناك أوطان لا تحتاج إلى كثير من الكلام كي تعرف، يكفي أن يعتلي أحد فنانيها خشبة المسرح حتى يقال هنا حضر المغرب
ذلك هو السر الذي جعل النقابة المهنية المغربية لمبدعي الأغنية تختار منذ تأسيسها أن يكون الفن رسالتها، وأن تكون الأغنية المغربية جواز سفرها، وأن يكون المبدع المغربي خير سفير لوطنه أينما حل وارتحل، لم تكن النقابة يوما مجرد إطار مهني يدافع عن حقوق الفنانين فحسب، بل آمنت بأن للفن رسالة تتجاوز حدود المسارح والاستوديوهات، وأن الأغنية حين تحمل هوية وطن تصبح شكلا راقيا من الدبلوماسية الثقافية .. لهذا، لم تنتظر أن تدعى إلى الخارج لتثبت وجودها، بل صنعت حضورها بخطوات ثابتة وبعلاقات إنسانية وثقافية راقية امتدت إلى أكثر من بلد عربي وكانت الجمهورية التونسية أولى المحطات التي تجلت فيها هذه الرؤية، فما شهدته تونس لم يكن مشاركة عابرة في مهرجان، بل كان احتفالا مغربيا نابضا بالحياة نظمته النقابة المهنية المغربية لمبدعي الأغنية بشراكة مع جمعية الصداقة للجالية المغربية المقيمة بتونس
وبفضل الجهود الكبيرة التي بذلها مندوب النقابة هناك الأستاذ مصطفى الرحالي تحولت تلك اللقاءات إلى موعد دائم يجتمع فيه الفن بالوطن وتلتقي فيه الجالية المغربية بنبضها الثقافي القادم من أرض المملكة، هناك لم تكن الأغنية مجرد وصلة فنية، بل كانت سلاما مغربيا يعانق القلوب، وكان العلم المغربي حاضرا في الوجدان قبل أن يكون حاضرا في القاعات، ثم جاءت ليبيا وجاءت معها الدورة الثالثة عشرة لمهرجان طرابلس الدولي لفن المألوف والموشحات فكانت فرصة جديدة ليؤكد المغرب أن حضوره الثقافي لا يقل إشراقا عن حضوره الدبلوماسي والسياسي .. تحرك وفد النقابة بقيادة النقيب الأستاذ محمد توفيق عمور وبرفقته عضو المكتب التنفيذي الفنان عبد العظيم هريرة، وكانا يحملان مسؤولية أكبر من مجرد المشاركة .. كانا يحملان صورة وطن بأكمله، وكان خلفهما مكتب تنفيذي يؤمن بأن نجاح أي مهمة خارج الوطن هو نجاح للمغرب قبل أن يكون نجاحا للنقابة، ولأن النجاح لا يولد صدفة جاءت المشاركة المغربية ثمرة هندسة دقيقة وإعداد محكم وإصرار على أن يكون كل تفصيل في مستوى اسم المملكة المغربية، ولم يكن البرنامج الفني وحده هو الذي تحدث باسم المغرب، بل سبقه لقاء فكري راق شارك فيه الفنان والباحث الأستاذ محمد أمين الدبي والفنان والباحث الدكتور سفيان أجديرة فجاءت مداخلاتهما عميقة ورصينة، وأثبتت أن الفنان المغربي لا يحمل صوته فقط، بل يحمل معه ثقافة واسعة ومعرفة راسخة واحتراما للبحث العلمي وحين أشرقت الليلة المغربية اعتلت الفرقة الموسيقية الأندلسية المغربية بقيادة الفنان محمد العثماني خشبة المسرح ولم يكن العزف مجرد أداء موسيقي، بل كان استحضارا لذاكرة حضارية تمتد من الأندلس إلى المغرب، وكانت الأنغام تعيد كتابة حكاية شعب حافظ على تراثه وأهداه إلى العالم في أجمل صورة كان الجمهور ينصت، وكانت القلوب تسبق الآذان، وكان التصفيق يكبر مع كل مقطع حتى بدا وكأن المغرب كله يعزف في تلك الليلة، ولأن الإبداع الحقيقي لا يمر دون تقدير جاءت اللحظة التي ستظل محفورة في ذاكرة كل من حضر

حين تقدم دولة السيد عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية والراعي الرسمي للمهرجان مهنئا الوفد المغربي لم تكن كلمات بروتوكولية، بل كانت اعترافا صريحا بأن المغرب حضر كما يليق بتاريخ المملكة ومكانتها، وكانت شهادة جديدة تضاف إلى سجل النجاحات التي تحققها النقابة خارج أرض الوطن، وزاد المشهد إشراقا حضور أفراد الجالية المغربية يتقدمهم وفد من أطر القنصلية العامة للمملكة المغربية بطرابلس فامتزج دفء الوطن بحنين أبنائه وشعر الجميع أن المغرب كان حاضرا بكل مؤسساته وبكل محبيه، ولأن المغاربة أوفياء لمن يقدرهم حرص وفد النقابة على تكريم الجهة المنظمة وتقديم شهادات التقدير ورسائل الشكر إيمانا بأن الاحترام المتبادل هو أجمل ما يبقى بعد انتهاء المهرجانات، وأن العلاقات الإنسانية الصادقة هي الاستثمار الحقيقي الذي لا تنتهي قيمته بانطفاء الأضواء، وفي خضم هذا النجاح يحق لكل عضو في النقابة أن يشعر بالفخر، لأن ما تحقق لم يكن ثمرة جهد فرد، بل ثمرة عمل جماعي يقوده النقيب الأستاذ محمد توفيق عمور بروح المؤمن برسالة الفن، ويؤازره أعضاء المكتب التنفيذي بكل إخلاص وتجرد إيمانا منهم بأن الأغنية المغربية تستحق أن تكون حاضرة في كل المحافل، وأن الفنان المغربي قادر على أن يكون سفيرا لوطنه بما يحمله من خلق وعلم وإبداع

إن النقابة المهنية المغربية لمبدعي الأغنية لا تسافر لتضيف رحلة جديدة إلى سجلها، بل تسافر لتضيف صفحة جديدة إلى كتاب المغرب ولتعلم الأجيال أن الأوطان لا تبنى بالسياسة والاقتصاد وحدهما، بل تبنى أيضا بقصيدة جميلة، وبلحن صادق، وبفنان يعرف كيف يجعل من صوته راية، ومن أخلاقه وطنا، وهكذا ستظل النقابة المهنية المغربية لمبدعي الأغنية سفيرة الوطن إلى القلوب، وستظل الأغنية المغربية كلما عبرت الحدود تحمل معها عبق المملكة، وتترك خلفها ما لا تصنعه الكلمات وحدها محبة لا تزول واحتراما لا ينسى ووطنا يزداد إشراقا كلما غنى أبناؤه باسمه
*عضو المكتب التنفيذي للنقابة المهنية المغربية لمبدعي الأغنية





