
بظهور نتيجة رئاسة المجلس الوطني للصحافة، انكشفت أول نقطة، بل أول فضيحة، مما منع النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة من المشاركة في هذه الانتخابات
لم تكن مقاطعتنا عبثا، ولم تكن انسحابا تكتيكيا، ولا مزايدة سياسية كما حاول البعض أن يصورها؛ كانت قراءة استباقية لمشهد انتخابي بلا انتخابات، ونتيجة معروفة قبل فتح صناديق الاقتراع
حين يظهر اسم الرئيس الجديد للمجلس الوطني للصحافة قبل أسبوع من الانتخابات في كواليس الرباط ومقاهي الدار البيضاء، وحين تتداول الأسماء في واتساب الناشرين الكبار وكأنها قدر محتوم، فإننا لا نتحدث عن انتخابات، بل نتحدث عن تعيين مغلف بالتصويت .. هذه هي النقطة الأولى التي جعلتنا بالأمس نرفض المشاركة: غياب الحد الأدنى من التنافس الشريف
كيف يمكن للنقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، التي ولدت من رحم المعاناة والدفاع عن الصحافي البسيط، أن تشارك في مسرحية بطلها معروف، وكومبارسها معروف، والصحافي الميداني مجرد متفرج ..؟
لقد تأسس المجلس الوطني للصحافة في الأصل كآلية للتنظيم الذاتي للمهنة، لحماية الصحافي من تغول السلطة، ومن تغول رأس المال؛ لكن ما حدث هو العكس تماما: تحول المجلس إلى أداة لاحتكار المهنة، وإقصاء الأصوات الحرة
نحن في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، التي تمتد فروعها من وجدة إلى العيون، وتمثل الصحافي في الجبل والقرية والموقع الإلكتروني الصغير، وجدنا أنفسنا أمام شروط إقصائية ممنهجة:
أولا– شرط التمثيلية المفصل على المقاس .. نعم، تم تفصيل شروط الترشح على مقاس هيئات بعينها؛ هي نفس الهيئات التي تملك المال والإشهار والنفوذ .. أما الصحافي المستقل، والمراسل الجهوي الذي يشتغل بـ 1500 درهم، فلا مكان له .. هل هذه هي الديمقراطية ..؟
هل هذه هي العدالة المهنية ..؟
ثانيا– تغييب الجسم الحقيقي للصحافة، بحيث أكثر من 70% من الصحافيين المهنيين اليوم يشتغلون في الصحافة الجهوية والإلكترونية المستقلة؛ هؤلاء هم من منعوا من التصويت والترشح بطرق ملتوية، عبر لوائح غير محينة، وشروط تعجيزية للبطاقة المهنية .. فعن أي تمثيلية يتحدثون ..؟
ثالثا– رئاسة محسومة بالتوافق الفوقي، وهنا بيت القصيد: حين تتفق لوبيات النشر الكبرى، بتواطؤ مع بعض الأطراف، على اسم الرئيس قبل الانتخابات، فهذا يعني أن المجلس القادم ليس مجلس كل الصحافيين، بل مجلس لحماية مصالح فئة قليلة، وهذا ما ظهر اليوم جليا، وقد قلنا منذ البداية: لن نشارك في انتخابات نعرف نتيجتها مسبقا
مقاطعة النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة لم تكن هروبا، بل كانت موقفا مبدئيا :
قاطعنا لأننا نرفض أن نكون شهود زور على شرعنة مجلس لا يمثلنا
قاطعنا لأننا نرفض أن يتحول المجلس من مدافع عن أخلاقيات المهنة إلى دركي يجلد الصحافيين الصغار، ويغض الطرف عن الكبار
قاطعنا لأننا نؤمن أن الصحافة ليست امتيازا يمنح في الرباط، بل هي حق يمارس في كل شبر من هذا الوطن
أجل، بظهور نتيجة الرئاسة، تأكدنا أننا كنا على حق؛ فالرئيس الذي ظهر اليوم هو نفسه الذي تم التداول بشأنه منذ شهور .. فأين هي المفاجأة ..؟
أين هي الديمقراطية ..؟
نحن في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة اخترنا أن نبقى في الميدان، بجانب الصحافي الذي يتعرض للطرد التعسفي، بجانب المراسل الذي يتعرض للاعتداء وهو يغطي خبرا، بجانب الصحافية التي لا تجد من يدافع عنها .. التاريخ سيذكر أن هناك النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة قالت «لا» في وقت اصطف فيه الجميع ليقول «نعم» لمسرحية محبوكة الإخراج .. لا محالة سيأتي يوم يدرك فيه الجميع أن الشرعية لا تمنحها نتيجة انتخابات مطبوخة، بل يمنحها الميدان، والميدان وحده
نحن في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة لن نبكي على شرعية هذا المجلس؛ فالشرعية الحقيقية لا تمنح بالتزكية في كواليس الرباط، ولا بالتوافق في مقاهي الدار البيضاء، بل تصنع في الميدان، حيث يطرد الصحافي، ويعتدى على المراسل، وتغتصب الصحافية في صمت .. يومها، حين يسأل التاريخ عن من دافع عن الصحافة الحقيقية، لن يذكر اسم الرئيس الذي ظهر في نتيجة «محسومة»، بل سيذكر صوت النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة التي قالت «لا» حين كان الجميع يقول «نعم»
فليحتفلوا بنتيجتهم .. أما نحن، فميداننا هو شرعيتنا، والصحافي البسيط هو صندوق اقتراعنا، والتاريخ هو من سيحكم في النهاية
زر الذهاب إلى الأعلى