أحداث دوليةأخبار

ثانويات فرنسا تغلي .. حين يخرج غضب التلاميذ من الأقسام إلى الشوارع

باريس – عبد الرحيم مالكي

لم يعد الغضب الذي يتردد داخل عدد من الثانويات الفرنسية مجرد نقاش بين التلاميذ والإدارة، بل خرج إلى الشارع وتحول إلى حركة احتجاجية لافتة تضع المدرسة الفرنسية أمام اختبار جديد. فمنذ أيام، تشهد عدة مناطق في فرنسا تحركات واحتجاجات يقودها تلاميذ، في مشهد أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول ظروف التعليم، وتوفير الأطر التربوية، وتكافؤ الفرص بين المؤسسات والمناطق

وتتسع رقعة الاحتجاجات تدريجياً، بعدما بدأت في عدد من ثانويات منطقة إيل دو فرانس، لتصل إلى مؤسسات تعليمية في مناطق أخرى من البلاد. ويقول المشاركون في هذه التحركات إنهم لا يخرجون إلى الشارع بحثاً عن الفوضى، وإنما من أجل لفت الانتباه إلى مشاكل يعيشونها يومياً داخل المؤسسات التعليمية، من غياب المدرسين واكتظاظ الأقسام إلى نقص التجهيزات وتدهور أوضاع بعض المباني المدرسية

وفي الضواحي الباريسية، برزت بشكل خاص أصوات تلاميذ يطالبون بتحسين ظروف الدراسة، معتبرين أن استمرار النقص في الموارد البشرية والتجهيزات ينعكس بشكل مباشر على تحصيلهم الدراسي وعلى فرصهم في النجاح، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من صعوبات اجتماعية واقتصادية

ولم تقتصر التعبئة على الاحتجاج أمام أبواب الثانويات، إذ تحولت بعض المؤسسات إلى ساحات لاعتصامات ومحاولات لمنع الدخول، فيما ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار الدعوات إلى التحرك والتنسيق بين التلاميذ في عدد من المدن

غير أن المشهد لم يبقَ سلمياً في جميع الحالات، بعدما شهدت بعض المناطق أعمال تخريب ومواجهات مع قوات الأمن وإحراق حاويات وأضراراً في عدد من الممتلكات والمؤسسات. وأثارت هذه الأحداث قلق السلطات التي حذرت من تحول المطالب التعليمية إلى أعمال عنف تهدد سلامة التلاميذ والأساتذة والسكان

وفي الوقت الذي تؤكد فيه السلطات الفرنسية رفضها لأي أعمال تخريب أو عنف، تحاول الحكومة فتح قنوات للحوار مع ممثلي التلاميذ والنقابات والأطراف التعليمية، في محاولة لاحتواء الوضع والاستماع إلى المطالب المرتبطة بظروف الدراسة

وتضع هذه الاحتجاجات الحكومة الفرنسية أمام معادلة دقيقة، فمن جهة هناك جيل من التلاميذ يريد أن يُسمع صوته ويطالب بمدرسة توفر له ظروفاً أفضل للتعلم، ومن جهة أخرى توجد ضرورة للحفاظ على النظام العام وضمان استمرار الدراسة وحماية المؤسسات التعليمية

واللافت في هذه الحركة أن التلاميذ أصبحوا يستخدمون أدوات جديدة لتنظيم تحركاتهم، إذ تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في نشر الدعوات وتبادل المعلومات وتحديد أماكن التجمع، وهو ما يجعل الحركة أكثر سرعة في الانتشار وأصعب في الاحتواء مقارنة بالاحتجاجات التقليدية

وبعيداً عن صور المواجهات التي تتصدر أحياناً وسائل الإعلام، تطرح هذه الاحتجاجات سؤالاً أعمق حول المدرسة الفرنسية ومستقبل جيل جديد يشعر بأن صوته يجب أن يكون حاضراً في النقاش العام. فالمطالب المتعلقة بالأستاذ والقسم والتجهيزات وظروف الدراسة ليست بالنسبة إلى التلاميذ مجرد ملفات إدارية، وإنما ترتبط بشكل مباشر بمستقبلهم وبالفرص التي سيحصلون عليها بعد مغادرة المدرسة

وبين مطالب تعليمية مشروعة في نظر المحتجين، ومخاوف رسمية من الانزلاق نحو العنف، تقف فرنسا أمام لحظة تحتاج فيها أكثر من أي وقت مضى إلى الحوار والاستماع .. فهل تنجح السلطات في احتواء غضب التلاميذ وإعادة الاحتجاجات إلى طاولة النقاش، أم أن الأيام المقبلة ستشهد اتساع رقعة التحركات وتصاعد التوتر في الثانويات الفرنسية ..؟

في كل الأحوال، يبدو أن رسالة جيل جديد وصلت إلى قلب النقاش الفرنسي: المدرسة ليست مجرد جدران وأقسام، وإنما فضاء يصنع مستقبل البلاد، وأي أزمة داخلها سرعان ما تتحول إلى قضية تتجاوز أبواب المؤسسات التعليمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق