ينفقون أموالهم على صناعة الجهل و لا ينفقونها على صناعة الحياة ..!

عبد اللـه عزوزي

ذ. عبد اللـه عزوزي

و أنا أتصفح بريدي الإلكتروني هذا الصباح ، عثرت على رابط إخباري حول تبرع طالب ياباني بهبة (gift) قدرها 10 ملايين دولار أمريكي لفائدة جامعته الأمريكية التي سبق له أن تخرج منها في منتصف السبعينيات بإجازة في العلوم السياسية، بعدما كانت الجامعة الامريكية الوحيدة التي مكنته من حق الانتساب إليها إبان موجة العداء تلك التي كانت تميز العلاقة بين البلدين بسبب نتائج الحرب العالمية الثانية.

الهبة المالية، يورد المقال، جاءت اعترافا من الرجل بالفضل الذي كان لذات الجامعة عليه و على ما وصل إليه من غنى مادي و تأثير فكري و اقتصادي ببلده الأصلي اليابان، و أعلن انطلاقها باتفاق مع مجلس إدارة الجامعة على شكل منحة تحمل اسمه، و توضع رهن إشارة الطلبة اليابانيين المتميزين الذين يرغبون في متابعة الدراسة بالديار الأمريكية.

دواعي اقتسام هذه القصاصة الخبرية مع قرائنا الكرام هو دعوتهم إلى عقد مقارنات بين الجامعات الغربية من جهة، و بين جامعاتنا المغربية و ثقافة التبرع عند خريجها الذين يحتلون الْيَوْمَ مراتب عليا في هرم السلطة و الاقتصاد، و كذا عقلية أغنياء المملكة التي لا تخلو منهم كل مدينة أو قرية، من جهة ثانية؛ دون أن نغفل عن مساءلة باقي مؤسسات الدولة و مكاتبها ( الفوسفاط، الصيد البحري، المطارات، السكك، الاتصالات، الفلاحة، الطرق السيارة، الشركات الكبرى ..) بخصوص الحس المواطناتي و واجب التبرع لفائدة الطلبة و المؤسسات التعليمية بكل أسلاكها و مسالكها.

فلا شك أنكم تعلمون كلكم أنه كثر اللغط مؤخرا عن أسباب فشل النموذج المغربي، بينما ارتفعت أصوات أخرى مطالبة بعقد مؤتمرات للنظر في أسباب انهياره، غير أنني أرى هنا – ومن وجهة نظر شخصية محضة – أنه في غياب التفكير في جعل المنظومة التربوية و الجامعات و المعاهد المغربية في قلب عملية تشييد هذا النمو و بعثه من جديد، مع الإنفاق على طالبي العلم بكل سخاء، و عدم الاكتفاء بتلقينهم المواطنة بالكلام الفضفاض و الشعارات و ترديد الأناشيد المناسباتية، فإننا سنبقى حيث نحن، بل ربما سنجد أنفسنا نحِنٌ إلى زمن ” أنا العود لبيض يا بابا” أو “عندما تكون إشارة الساعة”..

و تبقى سمة إنفاق المال، و بسخاء أسطوري دائما، ميزة الديناصورات الانتخابية من طنجة إلى الگويرة التي لا تجد حرجا، و لا ضيقا، في إنفاق مليار سنتيم و أزيد من أجل تأمين مقعد برلماني، أو حتى جماعي، في الوقت الذي يؤثث فيه الفقر و الحرمان محيط مقرات المؤسسات العليا و أبواب منازل البرلمانيين و الوزراء و النقابيين، و يحرم الطلبة من استغلال زمنهم الجامعي على أكمل وجه، و إنفاقه على التسول و الخوف من الجوع، بدل التركيز على التعلم و اكتساب المهارات، فكيف لا يصبحون مواطنين من درجة كافر و جاحد و مارق ..؟!

هذا فضلا عن عقدة الإنفاق المتجدرة على الآجور و الإسمنت و الرخام و الثريات و الزرابي و المسابح و الحفلات التي تفوت ميزانياتها على شباب الدولة و مستقبلها فرص صناعة مغرب التحرر و الاستقلال العلمي و الاقتصادي، و ليستمر وضعنا هكذا نتسول الصدقات و نلعن واقعنا و ألوان جوازات و دواعي سفرنا.

(Visited 1 times, 1 visits today)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*