فلسفة ُالجمالِ والقبح ِ

* ابراهيم امين مؤمن

المصريجمالٌ مزيف وقبحٌ مزيف

الجمال المزيف هو ما استحسنه الرائى واطمأنتْ له النفس وإنْ كان قبيحًا فى أصله، أمّا القُبْح المزيف فهو ما استقبحه الرائى ونفرتْ منه النفس وإنْ كان جميلاً فى أصله.
-إنّ اختلاف أيديولوجيات البشر تجعل الحكم على ماهية الأشياء والمناهج والأحداث، سواء المادية منها أو المعنوية مختلفاً ومتفاوتاً، بل وأحيانًا متضادًا، والجمال والقبح مِنْ هذه الأشياء.
-العين ترى والقلب يحس، أحياناً يُقال هذا الشيء جميل، ولكنى أشعر بداخلي أنه قبيح، والعكس يحدث أيضاً .. والعين لا تكذب صاحبها أبدًا، فهى ترى وتصف ما تراه، فإذا وصلت الرؤية و وصْفها إلى القلب قام بمعالجة البيانات التى تصل إليه من خلال تبنى هذا القلب من أيديولوجيات .. كذلك تتم معالجتها من خلال العقل، وعند تفاعل القلب مع العقل تكون النتيجة النهائية بالحكم على الأشياء في كل شيء، ومن ضمن هذه الأشياء الجمال والقبح.
الخلاصة إنّ معالجة رؤية الأشياء عن طريق القلب والعقل معاً هى التي تحدد ماهية هذه الأشياء، ومن ضمن هذه الماهيات الجمال والقبح.
ولاختلاف الأيديولوجيات لمْ تكنْ ثقافة الجمال ثابتة كذلك ثقافة القبح، فما هو جميل عند قوم فهو قبيح عند قوم آخرين والعكس.

أنواع الجمال 
الجمال المعنوى وقبحه

فالخير والشر .. الحق والباطل .. العدل والظلم .. الجمال والقبح كل هذه المسميات معنوية وهى عبارة عن المعنى الجميل ونقيضه القبيح .
وهذه فيها الخلود والجوهر والثبوت، فلا يمكن أنْ يُقال عن الحق باطل والعكس، كما أنّ الحق أو الباطل لا يموت.

الجمال المادى وقبحه

السماء والأرض .. الليل والنهار .. الشمس والقمر .. كل هذه مسميات مادية لها مدة فى بقائها .. فالشمس سوف تفنى، وكذلك تُطوى السماء والأرض، وقد يطول الليل فيلغي النهار، كذلك فهي غير معرّفة فكلها مسميات أطلقها البشر عليها لما تتميز به من خصائص في ذاتها.
وتلبس الماديات ألف وجه، فهى تتغير على الدوام .. فالسماء مثلاً قد تتجمل فى بعض الأحيان وأحيان أخرى تقبح.
وقد تُسمى فى ثقافة قوم باسم وباسم آخر فى ثقافة قوم آخرين.

-تشوه كاذب فى الجمال المعنوى وقبحه
أمّا الجمال المعنوى ونقيضهـ فإنّ هذا أو ذاك فأنه قد يبدو مشوهاً .. فالصبر معنوىّ قد يوصف بالجميل وقد يوصف بالقبيح، وفى هذه النقطة قد يلتبس علينا الأمر إذ قلنا أن المعنويات تتميز بالثبات والأصالة والخلود فلِمَ تتغير وتتشوه ..؟ وفك شيفرة هذا اللبس بسيطة جداً، وهو أنّ الثبات والأصالة والخلود ثابتة في ذات المعنويات .. ولكنّ الذى يتغير هو الوصف، ولنضرب مثلا ب “الصبر الجميل والقبيح”
الأصل هى كلمة الصبر، والوصف هو الجميل أو القبيح فظلَّ الأصلُ ثابتاً ولكنّ الوصف هو المتغير.

-تشوّه صادق فى الجمال المادي ونقيضه
والجمال المادى ونقيضه يتشوّه بالفعل، فمثلاً المرأة الحسناء جميلة الشكل والقوام، ولكنها تغوى وتنشز .. وبالتالي، فلا نستطيع أنْ نقول إنّها جميلة أو قبيحة، لكنّها تشوّهتْ، أي جمال مادي مشوّه وما شوّهه إلّا فقدانها للجمال المعنوي .. هذا فضلاً أنّ هذه المرأة قد تطرأ عليها متغيرات طبيعية، فيقبح شكلها سواء تشوّه فى الوجه أو بعامل السن أو اي طارئ آخر.

الجمال المعنوى المتداخل فى الجمال المادي وكذلك القبح
إنّ المعنويات لها مُسميات، هذه المسميات تتميز بالخلود والجوهر والثبوت، ومِنْ أجلها خُلقتْ الماديات وغدتْ لها “الماديات”تبعاً، فلولا المعنويات ما وُجِدتْ الماديات .
والمعنويات تعطي للماديات صفة، فمثلاً الحقّ ثابتٌ باقٍ والشمس متغيرة فانية، فكيف يخدمُ الحقُّ الشمسَ ..؟ .. تخدمه بالإضافة .. مثل شمس الحقيقة، وكذلك علم الحرية وقضبان العبودية .. مما سبق يتضح أنّ المعنويات لا تتغير فى وصفها بالجمال أو القُبح، أمّا الماديات تتغير.
وتبعًا، فإنّ الجمالَ المعنوي أو قبْحه هو من يمنح للجمالِ المادي أو قبْحه الصفة َ.

القلب أمْ العين
الجمال المعنوى ونقيضه خاصة ُالقلب

إذن، فمظهر الجمال الحقيقي الدائم الذي لا يتحول ولا يفنى لا يمكن أنْ تراه بعينيك وإنّما تراه ببصيرتك، تلك البصيرة التى تتبلور من تفاعل القلب والعقل معاً .. إنّما هو محسوس منبعه القلب، والقلب يؤثر فى العين فتظهر لامعة لمعان السرور.

والجمال المادى ونقيضه خاصة ُالعين
وهو خاصة العين دون القلب والعقل، وذلك لأنّه يعتمد على نسق الأشياء المادية بشرط جدواها فى نفع الكائن الحي، فإذا تحقق فيها النسق والمنفعة وصِفتْ بالجمال، وقد تكون غير متسقة، ولكنها ذات جدوى للكائن الحي وهذه أيضًا تُوصف بالجمال .. أمّا إن كانتْ متسقة ولم تكن ذات جدوى للكائن الحي فتوصف أيضًا بالجمال، ولا يخرجها من دائرة الجمال إلّا إذا كانت مُضرّة، فمهما اتسقتْ تركيباتها فهي قبيحة فى كل الأحوال.

عقبات تحول دون الوصول إلى الجمال الحقيقي

إنّ الوصول إلى الجمال الحقيقي ليس بالأمر الهين أبداً، إذ أنّ الوصول إليه هو أعلى مراتب الفضيلة، فهناك عقبات وتحدّيات تحول دون الوصول إليه .. أحياناً يلبس القبحُ رداء الجمالِ رغبة في كسْبٍ مادي أو معنوي فننخدع فيه ونعيش حياتنا فى قبح متواصل دون أن ندرى .. وأحيانًا أُخرى نجدُّ فى البحث عن الجمال فلا نجده، وهذا معزوّ فى الأساس، إمّا لانتكاس همتنا وعزائمنا إذا طال أمد البحث، وإمّا لاختفائه بسبب إفرازات وتوالد مجتمع فاسد قبيح .. كما أنّ هناك نفوساً فسَدتْ قلوبهم وحَمِقتْ عقولهم، ومثل هذه الأنواع من أجناس البشر يرون الميزانَ القسطاسَ مقلوباً دائماً، كما يرون عصا القيادة المتجهة فى الطريق الصحيح تسير دوماً فى طريق مسدود، أو فى طريق مؤدي إلى شفا حفر الجحيم أو سفينة تسير ضد الرياح في بحرٍ خضمٍ هائجٍ.

دعوة إلى البحث عن الجمال ونبْذ القُبح

لن نستطيع أن نوصف بالجمال فضلاً عن البحث عنه إلّا إذا استيقظتْ الضمائر الميتة للبشر ونهضتْ من سُباتها العميق من على أسرّة دهاليز الشيطان.
فلتأخذ الضمائرُ الحية بيد الضمائر الميتة للبحث عن الجمال ونبذ القبح، وليحاولوا معهم مراراً وتكراراً، فإذا عجزوا عن الأخذ بأيديهم لتمكُن شري النفس والشيطان فيهما فعليهم بالتخلص منهم قدر ما استطاعوا قبل أن يسحبوهم إلى أسرّة دهاليز شياطينهم، فيقبح كل جميل ويتوحش الناس.

هيّا .. تعلموا لتُعملوا، وأبصروا لتُبصّروا، وارعوا أسماعكم لتُلبّوا، واعتصموا بحبل القوة والعزيمة لنبحث عن الجمال الحقيقيّ ونفتش عنه فى كل أرجاء الكون، ونزيل الحُجُب ونرفع الأستار ونكشف اللجام عن كل ما هو مخبوء منه لتكتمل ملحمتنا وتزداد قوتنا وترتقي حضارتنا نحو مستقبل مشرق وعالم من الفضيله والجمال، ولنتحاشى الجمال الزائف الذي يقبع بالإنسانية كلها في مستنقع مظلمٍ او بحرٍ خضم ٍتتلاطم أمواجه ويكثر فيه الغرقى .. فاستنهضوا إلى الجمال الروحي الدائم الحقيقي وتثاقلوا عن الجمال المؤقت الزائف المتحول .

الجمال والقبح فى الخلود

هذا أو ذاك له مظهر واحد تتجلى فيه أعظم مظاهر الجمال، كما يستفحل فيه أفظع مظاهر القبح .. فجمال المعنويات والماديات هناك هو الجمال الأكبر كما أنّ القبح هو القبح الأكبر .. هناك الجمال المعنوي في أعلى صوره، أمّا الجمال المادي فهو أصيل وجوهري ويأخذ طابع الجمال المعنوي في ديمومته .. وكذلك القبح يظهر فى أعلى صوره وقبحه يأخذ القبح المعنوي في ديمومته.

*كاتب مصري

(Visited 1 times, 1 visits today)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*