بين الفهم والتغيير ..!

ذ. عبد الرحمان مجدوبي

عبد الرحمان المجدوبي

يصعب حقا على الإنسان أن يمتلك آلية الفهم كمهارة تمكنه من معرفة شبكات العلاقات والأنظمة الاجتماعية، ومختلف البُنَى السائدة، ويكون في الوقت نفسه عاجزا عن صنع التغيير، بناء على فهمه هذا، باقتراح حلول واِتخاذ قرارات مؤثرة، وبناء شبكات جديدة تعبر عن الرغبة في الخروج من الواقع المرير، إلى الممكن الحالم، مما يجعل منه إنسانا سلبيا يتلقى ولا يؤثر، ويحاور نفسه بدل أن يحاور مكونات المجتمع، ودروع النظام السائد والقوى المتمكنة.

إن الفهم في مثل هذه الحالة لا يحقق الحرية المنشودة، ولا يعطي مفعوله المحقق لنتيجة التحضر والرقي والآمال الموعودة، ويكون حقا مهارة دنيا يمكن لأغلب الناس أن يكتسبها، وإن كان لبنة لا يتحقق التغيير دونها، ودرجة دنيا في سلم المهارات المحققة للبناء والتكوين والتنشئة.

إن مدار صناعة الإنسان المتحضر، والعوالم الديمقراطية، والفكر التنويري الإنسي، يرتبط أشد الارتباط بهذه الثنائية الناقلة لسلم الحضارة من القراءة إلى الاستنتاج، ومن الإخصاب إلى الولادة، ومن الفكرة إلى البناء، ومن الفهم إلى الفعل، ولنكن أكثر دقة،”من التبعية إلى الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرارات وتفعيلها دونما خوف أو تردد”، إذ التغيير المنشود هنا هو ذلك التغيير الإيجابي المرتبط بالقدرة على اختيار النموذج المناسب، والمبدأ الثابت، والفكرة المبدعة، والقرار الصائب، والمنهج المتكامل، والكتلة المنسجمة في تلاحم تام مع قواسم الهوية والإرث الثقافي التواقة إلى الانعتاق والتحليق في عوالم أرحب وأوسع.

يقول ميكيا فيلي: “أنا لا أهتم بالواقع، أهتم فقط بتغييره “فالاهتمام بالواقع دون ربطه بخطوات عملية للتحرك هو محض هُراء وسفسطة لا فائدة ترجى من ورائها، رغم أن عملية التغيير تتطلب فهما وفهما عميقا، ودراية وإدراكا للمحيط والتاريخ والأحداث وشبكة العلاقات، أي أن التحرك لفهم الواقع هو أصل ومفتاح اللعب لعملية التغيير، والتغيير هو ما يمكن أن يكون ثمرة لهذا الفهم الإيجابي .. ولكن تحصيل سلبيته -الفهم- يبقى في تحنيطه وإيداعه متحف الإمكانيات والقدرات الممكنة، بدل الانتقال من الدراية والإدراك إلى رحاب أوسع تجعل الهزيل قويا، والمستعبد سيدا، والخادم مالكا، والمستعمر مستقلا، والهادم لليقينيات والمتداول والمتعارف عليه بانيا مشيدا لقواعد متينة تجعله مشاركا في الفعل، مُبْدِيا رأيه حول مدى جدارة ومصداقية مشروعه الفكري أو العلمي.

عندما أحس بنفسي مدركا لما يجري .. مستبطنا قواعد اللعبة، عارفا بالتكتلات المتحكمة المتناطحة المتصارعة، ينتابني شعور بأنني بصدد الخطوة الأولى لتحقيق ذاتي وسط هذا الكم الهائل من القوى المتدافعة .. لكن، كم هي صعبة هذه البداية التي تبوح لي بأهمية اتخاذ موقفي مما يجري، والانحياز إلى طرف أعتقد في مخرجات نهجه المصداقية، وفي برنامجه الإصلاحي أو التغييري ما يجعلني حقا أبدو في الساحة مدافعا مناصرا مسخرا كل إمكانياتي وطاقاتي، إنني بلا شك أدرك صعوبة هذه البداية، لأنها تحتاج مني جرأة ومجهودا إضافيا، وقنوات لتصريف قناعتي دون أن أُسْتغلّ وأَعدو قنطرة تُحقق من خلالها الأغلبيات التي تضع يدها في يد الخصوم، فتبتهج بالجلوس لقسمة الأنصبة، وتوزيع الكراسي الناطقة بزر الأقدمية الخارجة عن طاعة الصناديق الشفافة المسوفة، وعن تفاصيل الخريطة التوقعية لعامة من يكتفي بقدرة الفهم، ويهمل أهمية ودور صَنعَة التغيير في ضمان الكرامة لعامة الشعب، والحرية لكل أفراده التواقين للخروج من عنق الزجاجة إلى جنة يمتلكون فيها قرار القيادة وطعم السيادة.

يقول مرتضى الزبيدي في كتابه “إتحاف السادة المتقين بإحياء علوم الدين”: بالفهم تتبين معاني القرآن وأحكامه”، وبهذا لا يكفي الفهم مع أهميته وضرورته عندما نرغب في تنزيل خلاصاته على أرض الواقع ليصبح مقصدا محققا معيشا محررا من بطون الكتب وأحشائها، وأحناك السادة وجيوب فهامها، لا يكفي لننتقل من حقيقة كان، إلى واقع “كن ابن من شئت واكتسب أدبا”، ومن التوصيات والاستنتاجات والبيانات إلى الريادة ومحو تشابه الأيام بإضفاء زينة التعمير ورونق السلوك المدني-الحافظ للهوية- المتوهج على الإدارة والجيش والمدرسة والحقل والمعمل والمسجد والمقهى، لا يكفي ليصبح البشر إنسانا تفوح منه رائحة الإنسانية، وتحتضنك منه عطور الحرية، وتحاورك مبادئه بدل ما تسرقه منك مصالحه العشائرية والطائفية والحزبية.

قيل: “إن أضخم معارك الحياة تلك التي تدور في أعماق النفس”، وما يدور في أعماق النفس هو تدافع الاختيارات وتجابه القناعات الإيجابية والقناعات السلبية، وبذلك فإرادة التغيير تجابهها مقاومة التغيير وتصريف الطاقة الإيجابية يصطدم بكثرة المساطر وتعقيدها، والحلم بالبناء والتعمير تواجهه المعاول الضاربة بلا رحمة، المتكلمة بقسوة، المغازلة لأجساد لا تعرف السباحة إلا في البرك والمستنقعات، حيث تتمتع التماسيح والحيات، وتعيش على فتات موائدها الشراغيف والطفيليات.

إن أضخم معارك الحياة بدون شك تلك التي يصبو الإنسان من خلالها للانعتاق والتحرر من الكوابيس الكارتونية الهشة التي اتخذت من القلوب والعقول أعشاشا تبيض فيها كذبا وبهتانا، وترسم من خلالها سرابا لا ينتهي، سراب يحول الفهم من سلطة تؤهل للتغيير المستمر المنتج الهادف، إلى قوة تجمد العروق من هول المُكْتَشَف، وتفقد العقل من فظاعة الفرص الممكنة الضائعة التي لا يزيدنا الابتعاد عنها سوى تخلفا ومعاناة وهزيمة

(Visited 1 times, 1 visits today)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*