السنبلة الفارغة

ذ. عبد الرحمان مجدوبي

عبد الرحمان المجدوبيلا تكون السنبلة الفارغة دائما امرأة عريضة الجبين، ضخمة القوام، سليطة اللسان، تنقب عن الوهج الاجتماعي وتعدو وراءه غير مكترثة بضرب السواعد القوية والأقلام المترصدة الباحثة عن شبكات التيه الفكري والغباء الإنسي .. ولكن، يمكن أن تكون أيضا رجلا، بشارب كبير يعيق الأكل ويزيد الهم والنكد، ويثري الأنانية والغرور المعجلان بالفشل في الحياة، والحرمان من متعها، والسقوط في وحل الرذيلة أمام مجمع العبيد ومحفل الأسياد .. كما يمكن أن تكون السنبلة الفارغة رجلا بلسان حاد، يطوي المسافات، ويعد الجذاذات، ليتسلق ظهر حذاء، متعبا رديف، ثانيا وصيف، يقتات على الفتات تحت موائد الولاة، يصلي صلاة لا كالصلاة، ويبتسم بسمة صفراء تفزع الصغير وتنذر الكبير هامسة: “خرجت من فاه زفر غير راضية، خرجت سنة لبعض الخلق ماضية، نزعت الحجاب حرة، وذرفت دمعة مرة، حزنا على موتي عند الولادة، بين ذراعي راع لبس جورب البلادة، على زرابي السجود والعبادة”.

كما يمكن أيضا أن تكون السنبلة الفارغة فكرة تقلب الموازين، وتشغل الملايين عن المواضيع الحقيقية التي يجب أن تناقش فتُغَير .. فكرة معلبة مستوردة تجري وراء زينتها الجماهير تائهة في وعودها، متيمة في شهودها الذين يشهدون الزور من منصات لقاءات بيضت وجوههم ولونت شعورهم بلون الكبرياء والغيرة على وطن جريح يلتمس الشفاء في البلاء، والراحة في الرمضاء، فَتُسَخر الفكرة للتدجين، وتجد الحل للكادحين المستضعفين في مواضيع الحريات الفردية والمثلية الجنسية و العلاقات الرضائية التي تغنينا عن الحق في الاستشفاء والسكن والشغل والعدالة والتعليم .. تغنينا حين نعبر إلى نزل الشهوة، فيتيه الأب عن ابنه، والزوج عن زوجته، والأخ عن أخته، لنحتفل جميعا في حضيرة بلا حدود، تجعلنا أقل شأنا من حيوان يغير على أنثاه، وبدائي شرع ألوان التعذيب ليحفظ الأنساب، ويضرب بيد من حديد على من جرى وراء متعه المدمرة لوجود القبيلة والعشيرة.

ويمكن أن تكون السنبلة الفارغة منهاجا مزين التقديم والإخراج، مُتَرجما معمما على دويلات احتلمت من فرط اللذة بمقامها بين الدول النامية، واغتسلت في اليوم خمس مرات من وجع التقارير الدولية، لتقرر اللعب والرقص والانتشاء بألوان الفلكلور فتنسى الهم والغم، وتؤجل مواجهة الحقيقة التي كشفتها التحاليل الطبية والأشعة السينية لجسد مريض متعب منهك من فرط السمنة، وتؤجل التفكير، ليفكر غيرنا مكاننا بالنيابة، وليكتشف من يهمهم أمرنا، أننا ذلك المخلوق اللطيف الوديع الذي لا يبكي إلا إذا جاع أو بال أو تغوط كالرضيع في دار الحضانة.

ويمكن أن تكون السنبلة الفارغة حزبا أو جمعية أو منظمة، تُبكي أكثر مما تُبهج، وتسوق الجماهير التواقة إلى التغيير لترسو على موائد المصالحة بين اليسار واليمين، والحداثة والتجديد، بلسان حال ميع اللغة لتعدوا جسدا يفتقد ذكورته، وقواما تنكر لأنوثته سليبا معروضا للرعاع، لا يميزه إلا خطاب أكثر منه شعبوية .. دخل في غيبوبة الانتشاء والامتيازات، وتسلح بسلاح الكر والفر في مواجهة النظام والخصوم، وانتهك حرمة ما تبقى من ثقة بين المواطن والمؤسسات المعنية، ليبحث الأنذال عن بديل لا يمكن أن يوجد إلا في ظلمة الأحلام، و وجع الأسقام، التي تهدم الأجساد، وتطيح بالأسياد، في سوق النخاسة، فيصبح الكريم أسيرا بين يدي مخلوقات خرجت من العدم بإرادة مدبر، فشرعت وسنت واستنبطت الأحكام، و وجدت الخلاص في انتهاك الكرامة، وفي وعود القيامة التي عقدت ميثاقا في جنح الظلام، إيجابا بلا قبول، وغصبا بلا رسول، وقرانا بين عريس دجال، وأنثى أقسمت ألا تلد إلا من فواهات المدافع، وفتاوى المراجع التي لا تعرف حقولا للتفكير إلا وجبات تكرس التبعية وتغرق في وهم الحرية باسم الدين والثقافة والهوية.

(Visited 1 times, 1 visits today)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*