
هل ما زالت في بالنا أغنية ..؟

*سعيد ودغيري حسني
منذ أكثر من عقد من الزمن، كنت أشتغل ضمن فريق شركة إنتاج أشرفت على إنجاز برنامج “في البال أغنية” بالقناة الأولى المغربية، وما زلت أذكر ذلك الإقبال الكبير الذي رافق حلقاته، لم يكن المشاهد يبحث عن الترفيه فقط، بل كان يبحث عن جزء من نفسه .. عن أغنية مرت من طفولته .. عن لحن خرج من مذياع قديم في مساء بعيد .. عن كلمات ارتبطت بذكرى حب أو دمعة أو نجاح أو حكاية عمر
كان البرنامج يوقظ ذاكرة جماعية كاملة ويؤكد لنا أن الأغنية ليست مجرد كلمات ولحن وصوت، بل حياة كاملة تختبئ داخل دقائق معدودة، وكان يكفي أن تنطلق مقدمة أغنية قديمة حتى تعود الوجوه والبيوت والأزقة والمواسم إلى الذاكرة، وكأن المغاربة كانوا يبحثون من خلال الأغنية عن جزء من تاريخهم الشخصي والجماعي
واليوم وبعد مرور كل هذه السنوات أجدني أعود إلى السؤال نفسه، هل ما زالت في بالنا أغنية، وهل ما زلنا نتذكر أولئك الذين غنوا للمغرب قبل أن يصبح الغناء صناعة، وقبل أن تتحول الشهرة إلى أرقام ومشاهدات، وقبل أن يصبح اللحن ضيفا عابرا في حياة الناس
إن تاريخ المغرب لم يكتب فقط في الكتب والمخطوطات، بل كتب أيضا في الأغاني، وفي أصوات الرجال والنساء الذين حملوا نبض الناس وجعلوا منه فنا .. فالأغنية المغربية لم تكن مجرد وسيلة للتسلية، بل كانت مرآة للمجتمع، وصوتا للهوية، وحافظة للذاكرة
قبل ظهور الإذاعات الحديثة والتلفزيون والمنصات الرقمية كانت العيطة تجوب السهول والقبائل، وكانت الشيخات يحملن أخبار الناس وأحزانهم وأفراحهم، ويحفظن أسماء المقاومين والفرسان، ويحولن الذاكرة الشعبية إلى قصائد مغناة تتناقلها الأجيال، فلم تكن العيطة مجرد غناء، بل كانت أرشيفا شعبيا مفتوحا على تاريخ المغرب
ومن هذه الأرض الخصبة خرجت أصوات ستصبح علامات مضيئة في سماء الفن المغربي، ويظل الحسين السلاوي واحدا من أبرز هؤلاء الرواد .. فهذا الرجل لم يكن مجرد فنان شعبي، بل كان مؤرخا للشارع المغربي يراقب التحولات الاجتماعية ويحولها إلى أغنيات خالدة، ويغني للغلاء وللغربة ولتغير القيم وللوجود الأجنبي، وكان يلتقط نبض المجتمع كما يلتقط الرسام ملامح وجه عزيز عليه، فبقيت أعماله حية بعد رحيله لأنها كانت صادقة وتشبه الناس
وفي الذاكرة الشعبية أيضا، تظل أسماء مثل الشعبي الفيلالي وبوجمعة الفروج حاضرة بقوة، لأنها غنت للإنسان البسيط، وللأسواق والمواسم والأحياء الشعبية، ولكل التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة اليومية للمغاربة
كما يظل الثنائي قرزز ومحراش من الأصوات التي حملت رائحة الشاوية وسحر البادية إلى قلوب الناس فكانت أغانيهما امتدادا لعلاقة المغربي بأرضه وجذوره .. وكذلك، علي وعلي والحطاب وغيرهم من الفنانين الذين لم يبحثوا عن النجومية بقدر ما بحثوا عن مكان في ذاكرة الناس
وفي جهة أخرى من المشهد الفني، يبرز اسم حميد الزاهر .. ذلك، الفنان الذي حمل عبق مراكش إلى مختلف ربوع المملكة، وجعل من الأغنية الشعبية المغربية احتفالا دائما بالأصالة والجمال والفرح، كما يظل إدريس واكواك واحدا من الأصوات التي ارتبطت بالوجدان الشعبي المغربي وحافظت على خصوصيتها الفنية وعلاقتها الوثيقة بالبيئة التي خرجت منها
أما محمد الحياني فقد كان حالة فنية استثنائية، صوت يحمل الشجن المغربي بكل تجلياته، وحين يغني تشعر أن الزمن يتوقف قليلا، وأن المدن العتيقة تستعيد نبضها القديم، وكان قادرا على أن يحول الكلمة البسيطة إلى إحساس عميق يسكن الأرواح، كما حمل محمود الإدريسي الأغنية المغربية إلى فضاءات عربية واسعة، وجعل من صوته سفيرا للأغنية المغربية خارج الحدود، بينما ظل محمد الإدريسي وفيا لنبض المجتمع المغربي فغنى للعادات والتقاليد والتحولات الاجتماعية بأسلوب بسيط وعميق في آن واحد
وفي فضاء الطرب الراقي يظل عبد الوهاب الدكالي واحدا من أكبر بناة الأغنية المغربية الحديثة فقد استطاع أن يمنحها بعدا فلسفيا وإنسانيا راقيا، وأن يجعل من الكلمة المغربية سفيرة للجمال في العالم العربي، وكان فنانا وموسيقارا ومجددا ترك بصمة يصعب تجاوزها، وإلى جانبه يبرز عبد الهادي بلخياط الصوت الذي خاطب القلب والعقل معا، وغنى للحب والقيم والإنسان والوطن فأصبح جزءا من الوجدان المغربي والعربي
ولأن ذاكرة الأغنية المغربية لا تكتمل بنصف أصواتها فقط، فإن الحديث عن الرواد يظل ناقصا دون استحضار الأصوات النسائية التي صنعت جزءا كبيرا من وجدان المغاربة، وفي مقدمة هذه الأسماء تقف الراحلة نعيمة سميح صاحبة الصوت الدافئ الذي عبر البيوت والحدود وترك في ذاكرة المغاربة والعرب أعمالا خالدة ستظل شاهدة على مرحلة ذهبية من تاريخ الأغنية المغربية، كما تظل حياة الإدريسي من الأصوات التي منحت للأغنية المغربية بعدا رومانسيا راقيا، وجعلت من الإحساس الصادق عنوانا لمسيرتها الفنية
وتأتي لطيفة رأفت التي استطاعت أن تحافظ على الشخصية المغربية للأغنية وأن تجعلها قريبة من مختلف الأجيال، كما تبرز لطيفة أمال التي ساهمت بدورها في إثراء المشهد الغنائي المغربي بصوتها وحضورها المميز .. أما الحاجة الحمداوية فقد كانت مدرسة قائمة بذاتها وحملت على كتفيها جزءا كبيرا من التراث الشعبي المغربي، فكانت صوتا للفرح والحزن والتمرد والاحتفال بالحياة .. بينما جسدت حادة وعكي روح الأطلس والبادية المغربية وغنت للأرض وللقيم وللإنسان البسيط فبقي اسمها محفورا في الذاكرة الجماعية
ومن قمم الأغنية المغربية أيضا يبرز اسم محمد رويشة الفنان الذي جعل آلة الوتر تتحدث لغة خاصة، وحمل موسيقى الأطلس إلى كل بيت مغربي، وصنع مدرسة فنية ما زالت حاضرة بقوة رغم مرور السنين لقد كان رويشة أكثر من مطرب كان حالة فنية وإنسانية، وكان صوته يشبه الجبال التي خرج منها شامخا وصادقا وعميقا
ثم جاءت مرحلة المجموعات الغنائية التي غيرت وجه الأغنية المغربية فخرجت ناس الغيوان من قلب الأحياء الشعبية لتصنع ثورة فنية وثقافية غير مسبوقة، ولحقتها جيل جيلالة والمشاهب والسهام، فلم تعد الأغنية مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت فضاء للتفكير والحلم والسؤال وصوتا يحمل هموم الناس وتطلعاتهم
وفي الجنوب ظل الروايس والأغنية الأمازيغية ينسجون خيوط ذاكرة أخرى .. ذاكرة الجبال والوديان والقرى البعيدة فغنوا للأرض وللهوية وللهجرة وللإنسان، وحافظوا على جزء ثمين من روح المغرب العميق
وعندما نتأمل اليوم هذا المسار الطويل ندرك أن الأغنية المغربية كانت دائما أكبر من مجرد فن، لقد كانت مدرسة للحياة ومرآة للهوية وخزانة للأحلام، وحافظة للذاكرة، وكان كل جيل يضيف إليها صفحة جديدة من حكاية المغرب
واليوم في زمن المنصات الرقمية والإيقاعات السريعة قد تتغير الأشكال وتتبدل الأذواق .. لكن، الحاجة إلى الأغنية الحقيقية تظل قائمة، لأن الإنسان سيظل دائما بحاجة إلى من يحكي له قصته ويذكره بجذوره ويعيده إلى ذاته كلما ابتعد عنها .. ولهذا، أؤمن أن الأغنية المغربية الأصيلة لم تغب إنها ما زالت تسكن فينا في أعراسنا وفي أسفارنا وفي لحظات الفرح والحزن، وكلما سمعنا لحنا قديما أو صوتا صادقا أدركنا أن تلك الأغاني لم تكن مجرد أعمال فنية، بل كانت أوطانا صغيرة سكنت قلوبنا
ولهذا أعود إلى السؤال الذي بدأت به: هل ما زالت في بالنا أغنية، وأجيب بكل يقين نعم ما زالت في بالنا أغنيات كثيرة، وما زالت في قلوبنا أصوات كثيرة، وما زال المغرب كله يختبئ بين مقام موسيقي وكلمة جميلة وذكرى لا تموت .. فالأغنية الحقيقية لا ترحل إنها تتحول إلى ذاكرة، والذاكرة حين تكون مغربية تظل تغني إلى الأبد
*شاعر غنائي





