أخباررسالة موجهة إلى ...متفرقات

رسالة عاجلة لرئيسة الحكومة: أصلحي البيت الصحفي قبل قراءة الفاتحة على المهنة ..!

حين تتقاتل النقابات على الغنيمة .. من سيحمي الصحفي والمواطن والديمقراطية ..؟

إن قول «قراءة الفاتحة على المهنة» ليس مجرد جملة عابرة، ولا عنوانا لمقال، بل تشخيص جنائزي لواقع مهنة تحتضر، ومرافعة اتهام في حق كل من أوصل الجسم الصحفي إلى هذه الدرجة من التشرذم والهوان، فكيف يعقل أن تكون مهنة مهمتها ترتيب أولويات الدولة، وكشف فوضى المؤسسات، وتأطير الرأي العام، عاجزة عن ترتيب بيتها الداخلي ..؟
نحن، في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، أمام مشهد عبثي بامتياز: أكثر من خمسة إطارات نقابية وجمعوية تدعي تمثيل الصحافيين؛ نقابة، ونقابة مستقلة، وفيدرالية، وجمعية، وتنسيقيات «واتسابية»، كل واحدة تلعن الأخرى، وكل واحدة تدعي أنها الممثل الشرعي والوحيد، والنتيجة المنطقية أن الدولة وأرباب المقاولات لا يجدون مخاطبا واحدا وموحدا، فيفرضون ما يريدون
القبيلة التي من المفروض أن تدافع عن حرية التعبير، عجزت عن التعبير عن موقف موحد حول أبسط القضايا: بطاقة الصحافة، والدعم العمومي، وأخلاقيات المهنة .. وحين يتقاتل أبناء البيت الواحد على الشرعية، فاعلموا أن البيت قد انهار، وما بقي إلا قراءة الفاتحة على أطلاله
لنتذكر قليلا: كانت النقابة، في زمن الرواد والكبار، صوتا مرعبا للسلطة، تدافع عن الصحفي المطرود والمعتقل والممنوع من الكتابة .. أما اليوم، فقد تحول جزء كبير من العمل النقابي إلى وكالة لتدبير الريع: من سيستفيد من الدعم ..؟
 من سيحصل على بطاقة الصحافة ..؟
 من سيدخل لجنة الأخلاقيات ..؟
 ومن سيجلس على كرسي المجلس الوطني للصحافة ..؟
نعم، لقد تحول الصراع من صراع مبادئ إلى صراع مصالح، ومن يدافع عن الريع لا يمكنه أن يدافع عن الحرية، وهذا هو جوهر تشخيص النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة: حين انشغلت القبيلة بتقسيم الغنيمة، نسيت أنها خسرت الحرب، وحين تقول النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة «قراءة الفاتحة على مهنة الصحافة»، فهي لا تقصد حل نقابة وتعويضها بأخرى، بل تقصد أن الاستمرار بهذا المنطق يعني أننا سنقرأ الفاتحة على شيء أكبر وأخطر: على مصداقية الصحافة نفسها
فاليوم، لم يعد المواطن المغربي يثق في الصحافي كما يجب؛ إذ يراه بوقا لمن يدفع، أو مداحا لمن يخاف، أو شتاما لمن يختلف معه .. وهذه الأزمة الأخلاقية سببها الأول غياب مسؤول كفء ومحايد، وبيت داخلي منظم خال من الدخلاء .. ولهذا، لا يمكن أن نطالب الدولة باحترام الصحافة ونحن لا نحترم بعضنا البعض، ولا يمكن أن نطالب القضاء بحماية أسرار المهنة ونحن نفضح أسرار بعضنا البعض في تسريبات «واتسابية» رخيصة .. فاحترام المهنة يبدأ من داخلها، قبل أن يطالب به من خارجها
إن هذه الصرخة تأتي في لحظة مفصلية، والمغرب مقبل على حكومة جديدة تقودها السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، التي نطالبها بتنزيل ورش اللامركزية الإدارية والسيادة الرقمية، ونلتمس منها أن تعلم أن أولوية الحكومة المقبلة في قطاع الإعلام يجب ألا تكون توزيع الدعم فحسب، بل فرض إعادة ترتيب البيت الداخلي للمهنة، عبر قانون مهني موحد وميثاق شرف ملزم، يطهر الصحافة من أدعيائها قبل أن يحميها من أعدائها
الصحافة ليست قطاعا اقتصاديا عاديا يخضع لمنطق الربح والخسارة والمنح والمحسوبية، ولا مجالا لتوزيع الامتيازات والريع على أساس الولاءات الحزبية والنقابية، إنها ركيزة دستورية للديمقراطية، ضامنها الوحيد هو استقلاليتها، وشرط بقائها هو قطع حبل السرة مع منطق الدعم المشروط والامتياز المقابل .. إنها ركيزة من ركائز الدولة الديمقراطية، وعين المواطن على السلطة، وصوت للمهمشين، وضامن للمساءلة .. ولذلك، فإن إهمالها لا يضر الصحفيين وحدهم، بل يضر الدولة والمجتمع والديمقراطية بأكملها
نطالب السيدة رئيسة الحكومة بأن تجعل من إصلاح منظومة الإعلام أولوية حقيقية، لا شعارا انتخابيا أو بندا في خطاب بروتوكولي، ونطالبها بوضع آلية حوارية جادة تجمع جميع الفاعلين المهنيين، بعيدا عن الاحتكار والانقسام، للتوصل إلى إطار مهني موحد يحمي الصحفي، ويضمن استقلاليته، ويرفع من مستوى مهنته وأخلاقياته، ويجعل الدعم العمومي أداة لخدمة الصحافة الحرة، لا وسيلة لشراء الولاءات
إن مقولة النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة هي جرس إنذار أخير .. فإما أن تجلس كل هذه الإطارات على طاولة واحدة، وتتنازل عن أنانيتها، وتؤسس لميثاق شرف حقيقي؛ وإما فليستمر كل واحد في نشر بلاغاته الفارغة، وليستعد الجميع لقراءة الفاتحة جماعة، ليس على نقابة بعينها، بل على مهنة اسمها «الصحافة» في المغرب
إن مهنتنا، أيها السادة، تلفظ أنفاسها الأخيرة، بينما أبناؤها مشغولون بمن سيأخذ صورة المقبرة .. إنها اليوم لا تحتاج إلى مزيد من البلاغات الفارغة، ولا إلى بيانات التنديد الموسمية، بل تحتاج إلى أمرين لا ثالث لهما:
أولا- شجاعة سياسية من الحكومة المقبلة، تضع على رأس القطاع الرجل المناسب، الكفء والمحايد والنزيه، لا رجل التوافقات والمحاصصة وتوزيع الريع
ثانيا- مسؤولية مهنية وتاريخية من كل النقابات، وقرار جريء وشجاع بإعادة بناء البيت من أساسه، لا ترميم واجهته المتصدعة
فإما أن ننقذ الصحافة اليوم، ونحن نملك ما تبقى من شرف الكلمة، وإما أن نترك للأجيال القادمة مهمة نبش قبورنا للبحث عن أسباب وفاتها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق