
المفارقة المغربية: لماذا يتفوق أبناؤنا في الخارج ويتعثر تعليمنا في الداخل ..؟

عبد العظيم هريرة
هناك مفارقة مغربية تستحق أكثر من مجرد الانفعال أو التفاخر: كيف يمكن لبلد يُصنَّف تعليمه في مراتب متأخرة في بعض المؤشرات الدولية، أن يخرج في الوقت نفسه طلبة وباحثين وعلماء قادرين على منافسة الأفضل في العالم ..؟
إنها مفارقة تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكنها في الحقيقة تكشف عن فرق جوهري بين قدرة الإنسان المغربي وبين قدرة المنظومة التعليمية على احتضان هذه القدرة وتطويرها وتعميمها
ولذلك، فإن النقاش حول التعليم المغربي ينبغي ألا يتحول إلى جلد للذات، كما لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب احتفالي يكتفي بتعداد أسماء المغاربة الناجحين في الخارج. المطلوب هو أن نفهم المفارقة، وأن نسأل السؤال الأصعب: لماذا لا تتحول الكفاءات الفردية المغربية إلى قوة علمية ومؤسساتية وطنية بحجم الطاقات التي يمتلكها المغرب ..؟
الأرقام لا تكذب .. لكنها، لا تقول كل الحقيقة، حين نتحدث عن ترتيب المغرب في التعليم، ينبغي أولًا أن نكون دقيقين في تحديد المؤشر المقصود. فليس هناك “ترتيب عالمي واحد للتعليم”، وإنما مؤشرات متعددة تختلف في منهجيتها وأهدافها
ومن أبرزها اختبارات PISA التي تقيس أداء التلاميذ في سن الخامسة عشرة في القراءة والرياضيات والعلوم. وفي دورة 2022، جاءت نتائج المغرب دون متوسط منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في المجالات الثلاثة، مع نسبة مرتفعة من التلاميذ الذين يوجدون في مستويات الأداء المنخفض .. لكن، هذه الأرقام تقيس أداء المنظومة ككل، ولا تقيس قدرة أفضل التلاميذ المغاربة أو أفضل خريجي الجامعات المغربية
وهنا يجب أن ننتبه إلى خطأ شائع في النقاش العام: ضعف متوسط النظام لا يعني ضعف جميع أفراده، كما أن وجود نخبة متفوقة لا يعني أن النظام كله ناجح، إنها قاعدة بسيطة، لكنها ضرورية لفهم الحالة المغربية
الطالب المغربي ليس هو المشكلة لننظر إلى الجانب الآخر من الصورة .. في السنوات الأخيرة، ظهر عدد من الباحثين المغاربة في تصنيفات علمية دولية مرموقة. ففي تصنيف لسنة 2025، Academic Development Index ظهر أربعة باحثين مغاربة ضمن قائمة أفضل 200 عالم عالميًا، من بينهم عبد السلام حمادة، وإدريس بنشكرون، وفريدة الفاسي، ورجاء الشرقاوي المرسلي. وهذه ليست حالة منفردة
هناك أيضًا كفاءات مغربية بارزة في الفيزياء والطب والهندسة والرياضيات والعلوم الإنسانية والاجتماعية ومختلف التخصصات، يعمل بعضها داخل المغرب وبعضها الآخر في جامعات ومختبرات ومؤسسات بحثية دولية، والأهم أن هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم .. فالدراسات المتعلقة بالهجرة العلمية المغربية تشير إلى أن جزءًا مهمًا من المغاربة ذوي التأهيل العالي يعيش ويعمل خارج المغرب، وأن هجرة الطلبة والكفاءات أصبحت جزءًا أساسيًا من حركة رأس المال البشري المغربي
إذن، عندما نجد المغربي يتفوق في مختبر أوروبي أو جامعة أمريكية أو مؤسسة علمية دولية، فإن ذلك يؤكد شيئًا مهمًا .. المشكلة ليست في غياب القدرة على التعلم والابتكار، وإنما في البيئة التي تحتضن هذه القدرة
لماذا يتغير أداء المغربي عندما تتغير البيئة ..؟
هنا نصل إلى جوهر المسألة، فالطالب المغربي الذي يدخل إلى مؤسسة تعليمية توفر له مختبرًا مجهزًا، وأستاذًا متفرغًا، ومكتبة حديثة، ومنهجًا يشجع على السؤال، وتمويلًا للبحث، ومناخًا يحترم الاختلاف، وآليات واضحة للترقي العلمي، وشبكات دولية للتعاون، ليس هو الطالب نفسه عندما يعيش داخل منظومة تعاني من الاكتظاظ أو ضعف التجهيز أو محدودية الموارد أو غلبة التلقين قد تكون لديه القدرات نفسها، لكن البيئة هي التي تحدد إلى أي مدى يمكن لهذه القدرات أن تتفتح
وهنا ينبغي أن نتوقف عن سؤال: هل المغربي ذكي ..؟ فهذا السؤال خاطئ أصلًا، السؤال الصحيح هو: هل نجحنا في بناء منظومة تستخرج أقصى ما يمكن أن يقدمه العقل المغربي ..؟ والجواب، بكل موضوعية، هو: ليس بعد النخبة المغربية تكشف قوة كامنة أكثر مما تبرهن على نجاح المنظومة .. وجود عالم مغربي في مؤسسة علمية عالمية يبعث على الفخر بالتأكيد، لكنه ينبغي أن يدفعنا إلى سؤال آخر .. إذا كان لدينا عشرات أو مئات أو آلاف الكفاءات المغربية القادرة على المنافسة عالميًا، فلماذا لا نستطيع أن نجعل من هذه الطاقة قوة علمية وطنية متكاملة ..؟
لماذا يكون بعض شبابنا أكثر قدرة على الإبداع عندما ينتقل إلى بيئة علمية أخرى ..؟
ولماذا نكتشف أحيانًا قيمة بعض أبنائنا بعد أن تكتشفهم مؤسسات خارجية ..؟
هذه ليست أسئلة لإدانة الدولة أو الجامعة أو الأستاذ فقط، وإنما هي أسئلة حول فلسفة المجتمع تجاه العلم والمعرفة، فالعلم لا ينمو بالمدرسة وحدها إنه يحتاج إلى أسرة تشجع السؤال، ومدرس يحترم عقل الطفل، وجامعة تحرر البحث من القيود غير العلمية، ومختبرات، وتمويل، ومقاولات تستثمر في الابتكار، وإعلام يحتفي بالعالم كما يحتفي بنجم الكرة، وسياسة عمومية تعتبر البحث العلمي استثمارًا في المستقبل لا مجرد بند في الميزانية.
من “هجرة الأدمغة” إلى “تدوير الأدمغة” ربما آن الأوان أيضًا لكي نعيد النظر في مفهوم “هجرة الأدمغة” ليس كل مغربي يعمل في الخارج خسارة للمغرب .. العالم اليوم يقوم على شبكات علمية عابرة للحدود. والباحث قد يدرس في الرباط، ويحصل على الدكتوراه في باريس، ويعمل في الولايات المتحدة، ويتعاون مع مختبر في اليابان، ثم يعود إلى المغرب في مشروع علمي أو يدرّب طلبة مغاربة عبر الإنترنت، المشكلة ليست أن يسافر العقل المغربي
المشكلة أن ينقطع العقل المغربي عن بلده، وهنا يمكن الانتقال من مفهوم “هجرة الأدمغة” إلى مفهوم “دوران الأدمغة”: أي أن تتحول الجالية العلمية المغربية من رصيد مفقود إلى شبكة عالمية مرتبطة بالمغرب، وقد أشار بحث حول الجالية المغربية العلمية إلى أهمية إعادة ربط الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج بمنظومة الابتكار الوطنية، كما أن مبادرات حديثة تسعى إلى إعادة علماء وأطباء ومهندسين مغاربة إلى المغرب، ولو بصورة مؤقتة، من أجل نقل المعرفة والتجربة إلى الأجيال الجديدة، وهذه الفكرة يمكن أن تكون إحدى مفاتيح الحل .. المشكلة ليست في صناعة العباقرة، بل في إنقاذ المتوسط ربما يكون هذا هو الدرس الأهم لا يمكن لأي بلد أن يبني مستقبله اعتمادًا على نخبة صغيرة من المتفوقين
نحن بحاجة إلى العباقرة، نعم؛ لكننا بحاجة أكثر إلى مواطن متعلم .. نحتاج إلى طفل يستطيع القراءة والفهم، وتلميذ يستطيع التفكير والتحليل، وشاب يستطيع استخدام المعرفة لصناعة شيء جديد .. إن قوة النظام التعليمي لا تقاس فقط بعدد أبنائه الذين يصلون إلى أرقى الجامعات، وإنما كذلك بمستوى التلميذ العادي بمعنى آخر، ليس المطلوب أن نرفع القمة فقط، وإنما أن نرفع القاعدة
فإذا كان لدينا عشرة تلاميذ متفوقين جدًا، فهذا أمر رائع. لكن إذا كان مئات الآلاف من التلاميذ يعانون من ضعف في القراءة أو الحساب أو الفهم، فإن المشكلة تظل قائمة .. المدرسة التي نحتاجها ليست مدرسة حفظ، ربما يكون أحد أكبر التحولات المطلوبة هو الانتقال من مدرسة تسأل الطفل:
“ماذا حفظت ..؟”
إلى مدرسة تسأله:
“ماذا فهمت؟ وماذا تستطيع أن تفعل بما فهمت؟”
العالم لم يعد يحتاج إلى إنسان يستطيع استظهار المعلومات فقط؛ فالمعلومات أصبحت متاحة للجميع.
إنه يحتاج إلى إنسان قادر على:
- التفكير النقدي؛
- حل المشكلات؛
- الابتكار؛
- العمل الجماعي؛
- التواصل؛
- استعمال التكنولوجيا؛
- البحث والتحقق من المعلومات؛
- وتحويل المعرفة إلى قيمة اجتماعية واقتصادية وثقافية.
وهذا يتطلب إعادة الاعتبار إلى الأستاذ، وإلى المدرسة العمومية، وإلى المختبر، وإلى الكتاب، وإلى الفن والثقافة، وإلى الأنشطة الموازية .. فالطفل لا يتعلم بالكتاب وحده؛ إنه يتعلم أيضًا بالمسرح والموسيقى والرسم والرياضة والنقاش والتجربة
لماذا لا نستثمر بما يكفي في العقل الذي نمتلكه ..؟
هذه هي الحلقة المفقودة .. المغرب لا يحتاج إلى البحث عن “عقل مغربي جديد”؛ فالعقول موجودة، إنه يحتاج إلى منظومة وطنية لا تجعل الموهبة مشروع هجرة بالضرورة، وإذا كان العالم قد استفاد من الكفاءات المغربية، فلماذا لا يستطيع المغرب أن يستفيد منها بالقدر نفسه ..؟
لماذا لا تكون لدينا شبكة وطنية تجمع العلماء المغاربة في الداخل والخارج ..؟
لماذا لا يُستدعى الباحث المغربي في الخارج لتأطير الطلبة، ولو عن بعد ..؟
لماذا لا تُمنح المدارس العمومية برامج لاكتشاف الموهوبين في سن مبكرة ..؟
لماذا لا يصبح لكل جامعة مغربية مختبرات مرتبطة بحاجات الاقتصاد والمجتمع ..؟
ولماذا لا تتحول بعض النجاحات الفردية إلى مشاريع وطنية مستدامة ..؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صلب الإصلاح .. المغرب لا يحتاج إلى الدفاع عن نفسه أمام التصنيفات .. التصنيفات الدولية مهمة، وينبغي قراءتها بجدية، لكنها ليست حكمًا نهائيًا على الإنسان المغربي، فحين يكون الباحث المغربي ضمن قائمة العلماء الأكثر تأثيرًا في العالم، فهذا لا يلغي مشكلات التعليم المغربي، وحين تظهر نتائج ضعيفة في اختبار دولي، فهذا لا يلغي أن بين التلاميذ المغاربة من يستطيع أن يكون الأول عالميًا .. الحقيقة تقع بين الأمرين
لدينا نظام تعليمي يحتاج إلى إصلاح عميق، ولدينا في الوقت نفسه رأسمال بشري استثنائي يستحق منظومة أفضل، وهذه ليست مفارقة تدعو إلى اليأس، بل فرصة تاريخية، فأسوأ ما يمكن أن نفعله هو أن نحول نجاح أبنائنا في الخارج إلى مجرد مناسبة للفخر، ثم نعود إلى اليوم التالي وكأن شيئًا لم يحدث، بل ينبغي أن نسأل:
ما الذي وجدوه هناك ولم يجدوه هنا؟
إذا أجبنا عن هذا السؤال بصدق، فقد نكون قد بدأنا فعلًا في إصلاح التعليم
الخاتمة: المشكلة ليست في المغربي، بل في المسافة بينه وبين الفرصة .. إن أعظم ظلم يمكن أن نرتكبه في حق الأجيال المغربية هو أن نختزلها في ترتيب دولي .. المغربي الذي ينجح في الخارج ليس معجزة، والمغربي الذي يتعثر في المدرسة ليس فاشلًا بالضرورة، كلاهما نتاج بيئة وظروف وفرص مختلفة
إن المغرب يمتلك طاقات بشرية قادرة على الوصول إلى العالمية، وهذا تؤكده نماذج كثيرة في العلم والطب والهندسة والرياضيات والبحث الأكاديمي .. لكن، التحدي الحقيقي هو أن نجعل التميز الفردي يتحول إلى تميز مؤسساتي، وأن تصبح المدرسة المغربية قادرة على اكتشاف المواهب، والجامعة قادرة على إنتاج المعرفة، والمختبر قادرًا على الابتكار، والاقتصاد قادرًا على استيعاب الباحث، والوطن قادرًا على الاحتفاظ بعقوله أو على الأقل إبقاء جسور قوية معها
لقد آن الأوان لأن ننتقل من سؤال
إلى سؤال أكثر عمقًا “لماذا يحتل المغرب هذه المرتبة ..؟”
“لماذا لا يحتل العقل المغربي المكانة التي يستحقها داخل وطنه ..؟”
فإذا كان أبناؤنا قادرين على أن يكونوا في الصفوف الأولى عندما تتاح لهم الفرصة، فإن المهمة الوطنية ليست أن نثبت للعالم أن المغربي ذكي .. المهمة هي أن نبني مغربًا يجعل هذه الذكاء والموهبة والعلم والإبداع جزءًا من قوته اليومية، لا مجرد نجاحات فردية تلمع بعيدًا عن الوطن، وحينها فقط، لن يكون السؤال: لماذا يتفوق أبناؤنا في الخارج ..؟
بل سيصبح السؤال : كيف أصبح المغرب نفسه المكان الذي يختار فيه أبناؤنا أن يصنعوا مستقبلهم ..؟





